فهرس الكتاب
وأما الوجه الأول من أوجه الجمع وهو حمل الجلد في الحديث على التأديب دون الحد فغير ظاهر ، لا سيما وقد جاء في بعض الروايات التصريح بالحد [1] ، وقد وصف الشوكاني ذلك بأنه تعسف [2] .
قال الطحاوي:"قال هذا القائل: فإنما الذي في هذه الآثار مما أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جلد الأمة إذا زنت إنما هو أدب لا حد."
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه: أنا قد وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد روي عنه في ذلك توقيت من الجلد ، وذلك لا يكون إلا في الحد ؛ لأن الآداب إنما تكون على مقادير الإجرام ، والأجرام قد تختلف ، فتتفاضل الآداب فيها ، فالقصد إلى مقدار من الجلد دليل أنه أريد به الحد لا الأدب" [3] ."
ثم ذكر جملة من الأحاديث فيها تحديد الجلد بخمسين جلدة ، وما تقدم من الأحاديث التي فيها ذكر الحد.
وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما حيث لم يذكر فيه الحد ولم يحدد فيه العدد فيجاب عنه ، بأن الأحاديث والروايات يفسر بعضها بعضًا ، ويحمل المطلق منها على المقيد.
وأما ما أجابوا به عن حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وحديث علي - رضي الله عنه - ففيه تكلف ظاهر ، فحملهم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - على الأمة المزوجة ، تخصيص بلا دليل ، بل إن لفظ ( أمة ) في الحديث مفرد مضاف فيفيد العموم ، فيشمل الأمة المتزوجة وغير المتزوجة ، وقد جاء ذلك صريحًا في حديث علي - رضي الله عنه - المتقدم:"أقيموا على أرقائكم الحد ، من أحصن منهم ، ومن لم يحصن".
وحملهم حديث علي - رضي الله عنه - على أنه قضية عين ، تحكم يحتاج إلى دليل.
(1) انظر: أضواء البيان للشنقيطي 1/257.
(2) انظر: فتح القدير 1/451.
(3) شرح مشكل الآثار 9/350.