الصفحة 433 من 729

والجمع الذي يظهر رجحانه ـ والله أعلم ـ هو ما تقدم ذكره في الوجه الأول من أوجه الجمع ؛ وهو أن الآية عامة في انتقاض وضوء كل ملامس للمرأة كيف لامس ، ويدخل في ذلك التقبيل ، والأحاديث مخصصة لذلك العموم بأن الوضوء على بعض الملامسين ، وهم من لمس بشهوة ، دون غيرهم .

فالآية محمولة على الملامسة بشهوة ، والأحاديث محمولة على الملامسة بغير شهوة ، جمعًا بين النصوص من القرآن والسنة .

قال ابن رشد:"ذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ } ، وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد ، ومن هؤلاء من رآه من باب العام أريد به الخاص ، فاشترط فيه اللذة ، ومنهم من رآه من باب العام أريد به العام فلم يشترط اللذة فيه ، ومن اشترط اللذة ، فإنما دعاه إلى ذلك ما عارض عموم الآية ، من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلمس عائشة عند سجوده بيده ، وربما لمسته" [1] .

وأما الوجه الثاني من أوجه الجمع ؛ وهو أن تحمل الأحاديث على وجود الحائل ، فهو تكلف ومخالفة للظاهر ، فالأصل عدم الحائل في الرجل واليد ، كما أن الأصل في التقبيل يكون مباشرة وبدون خمار [2] .

قال الجصاص:"ولا يجوز حمله على أنه قبل خمارها وثوبها ؛ لوجهين:"

أحدهما: أنه لا يجوز أن يحمل اللفظ على المجاز بغير دلالة ؛ إذ حقيقته أن يكون قد باشر جلدها حيث قبلها ، وما ذكره الخصم يكون قبلة لخمارها.

(1) بداية المجتهد ( الهداية في تخريج البداية 1/ 340 ) .

(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 5/227، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني 1/407، نيل الأوطار للشوكاني 1/245، حاشية السندي على سنن النسائي 1/102، تعليق أحمد شاكر على سنن الترمذي 1/142.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت