فهرس الكتاب
وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه ، وهي تسمع من وراء الباب ، فقال يا رسول الله: تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم"، فقال: لست مثلنا يا رسول الله ، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال:"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله ، وأعلمكم بما أتقي" [1] .
ومن ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدًا ، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر ، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا ، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:"أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني" [2] ، وغير ذلك من الأحاديث.
فلما كان الصحابة حريصين على الطاعات والاجتهاد في العمل ، فلربما اعتذروا عن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفق ، واستعماله له في نفسه ، أنه غير محتاج إلى العمل بضمان المغفرة له ، فكان يغضب من ذلك ، ويخبرهم أنه أتقاهم لله وأعلمهم به ، فليس المقام مقام تزكية للنفس ، وإنما هو إنكار وتصحيح لما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
(1) سبق تخريجه ص 190.
(2) أخرجه البخاري في النكاح ، باب الترغيب في النكاح ، رقم (5063) 7/ 2، ومسلم في النكاح ، رقم (1401) 2/1020.