الصفحة 459 من 729

الوجه الثاني: أن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكمية ، وذلك بقصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين ، و شرط الخوف في الآية لا يعارض جواز القصر في السفر الآمن الثابت في السنة المتواترة ؛ لأن قوله تعالى في الآية: { إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } واشتراطه الخوف للقصر خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية ، فإن غالب أسفارهم في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كانت مخوفة ، والشرط إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم مخالفة له.

وهذا الوجه نسبه غير واحد إلى الجمهور [1] ، وذكره الشنقيطي [2] .

ويدل لهذا الوجه أدلة منها ما يلي [3] :

1-حديث يعلى بن أمية المتقدم ، فقد استدل به من قال بهذا الوجه ، فقالوا: إن هذا الحديث يدل على أن يعلى بن أمية وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر - رضي الله عنه - على فهمه لذلك.

2-أن لفظ القصر كان مخصوصًا في عرف الصحابة بنقص العدد ، ولهذا لما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر ركعتين قال له ذو اليدين:"أقصرت الصلاة أم نسيت ؟" [4] .

3-أن ( مِنْ ) في قوله: { مِنَ الصَّلَاةِ } ، للتبعيض ، وذلك يوجب جواز الاقتصار على بعض الصلاة ، فتفسير القصر بإسقاط بعض الركعات أولى من تفسيره بتغيير الكيفية.

(1) انظر: أحكام القرآن لابن العربي 1/615، التفسير الكبير للرازي 4/199، تفسير القرآن العظيم لابن كثير

2/394، 395 ، فتح الباري لابن حجر 2/564 ، محاسن التأويل للقاسمي 3/298.

(2) انظر: أضواء البيان 1/270.

(3) انظر الأدلة على هذا الوجه في التفسير الكبير للرازي 4/200 ، أضواء البيان للشنقيطي 1/270 .

(4) أخرجه البخاري في السهو ، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو ، رقم (1228) 2/68، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة ، رقم (573) 1/403.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت