فهرس الكتاب
الوجه الثالث: أن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكمية ، ولكن هذا الوجه يختلف عن سابقه ، فقصر الكمية بنقص عدد الركعات فيه مختص بصلاة الخوف ، فتقصر من ركعتين إلى ركعة واحدة في بعض الأحوال ، وأما قصر الصلاة في السفر الآمن بنقص عدد الركعات ، فلم تتعرض له الآية ، بل دلت عليه السنة كما ثبت في الأحاديث المتقدمة.
وهذا الوجه مروي عن جابر بن عبد الله وابن عمر رضي الله عنهما ، ومجاهد ، والضحاك ، والسدي ، وسعيد بن جبير [1] .
الوجه الرابع: أن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكمية والكيفية ، فإن كان هناك خوف وسفر ، فتقصر الصلاة كمًا وكيفًا ، وإذا انفرد السفر فإنها تقصر قصر كمية ، بقصر عدد ركعاتها ، وإذا انفرد الخوف دون السفر فإنها تقصر قصر كيفية ، وعلى هذا فتكون الآية موافقة للسنة في جواز القصر في السفر الآمن.
وإلى هذا الوجه ذهب أبو العباس القرطبي قائلًا:"وقوله: { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ } يعني به: القصر من عدد الركعات ، والقصر بتغيير الهيئات ، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -:"صدقة تصدق الله بها عليكم"، عندما سئل عن قصرها مع الأمن ، فكان قوله ذلك تيسيرًا وتوقيفًا على أن الآية متضمنة لقصر الصلاة مع الخوف ، ومع غير الخوف ، فالقصر مع الخوف في الهيئات على ما يأتي ، ومع الأمن في الركعات ، والمتصدق به إنما هو إلغاء شرط الخوف في قصر عدد الركعات مع الأمن ، وعلى هذا فيبقى اعتبار الخوف في قصر الهيئات على ما يأتي ، وقد أكثر الناس في هذه الآية ، وما ذكرناه أولى وأحسن ؛ لأنه جمع بين الآية والحديث" [2] .
(1) أخرجه عنهم ابن جرير في جامع البيان 7/ 415- 417 ، وفي تهذيب الآثار له 1/237-240، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/396- 399.
(2) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 2/329.