فهرس الكتاب
قال ابن حجر:"وقد قال الجمهور: إن معنى قوله: { أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } صدن لكم ، وقد جعل الشارع أكله منه علامة على أنه أمسك لنفسه ، لا لصاحبه فلا يعدل عن ذلك" [1] .
وبهذا يتبين أن الآية لا تدل على حل أكل الصيد إذا أكل منه الكلب المعلم ، بل هي موافقة لما دل عليه حديث عدي - رضي الله عنه - ، من عدم حل الصيد إذا أكل منه الكلب ؛ لأن الله أباح لنا أكل الصيد ، بشرط أن يكون الجارح ممسكًا له علينا ، ولا يظهر الفرق بين إمساكه علينا ، وبين إمساكه على نفسه ، إلا بترك الأكل.
وبهذا تنتظم الآيات والأحاديث ويرتفع ما يتوهم من الإشكال والتعارض .
وقد جمع بعض أهل العلم بين ظاهر قوله تعالى: فَكُلُوا { مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } على أن المراد عموم الإمساك ، سواء أكل منه الكلب أولم يأكل ، وما تقدم من حديث عدي - رضي الله عنه - الذي يدل على عدم حل الصيد إذا أكل منه الكلب ، فقالوا: إن الآية عامة في حل أكل صيد الكلب المعلم سواء أكل منه ، أولم يأكل ، والحديث مخصص لذلك العموم ، بعدم حل ما أكل منه الكلب.
قال ابن كثير بعد أن ذكر حديث عدي - رضي الله عنه -:"وهذا صحيح ثابت في الصحيحين ، وهو أيضًا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين ، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب ، حُكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس ، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، وصاحباه ، وأحمد بن حنبل ، والشافعي في المشهور عنه" [2] .
لكن هذا فيه نظر ؛ لأن قوله تعالى: فَكُلُوا { مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } يدل على أن الذي يحل أكله ما أمسكن لنا ، دون ما أمسكنه ليأكلنه ، فليس في الآية عموم ، وقد تقدم بيان ذلك .
(1) فتح الباري 9/602.
(2) تفسير القرآن العظيم 3/20، وانظر: المغني لابن قدامة 13/264.