الصفحة 489 من 729

فهاتان الآيتان تدلان على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم وسائر طعامهم ، وليس فيهما الإذن بمطاعمتهم ومؤاكلتهم والجلوس معهم ، والحديث لا يفهم منه عدم جواز إطعام الطعام للكفار ؛ لانعدام صفة التقوى والورع فيهم ، لما تقدم من الأدلة على جواز إطعام الطعام للمسلمين وغيرهم ، وإنما فيه التحذير من صحبة من ليس بتقي ، والزجر عن مخالطته ومؤاكلته ، فإن المطاعمة تؤدي إلى الخلطة ، بل هي أوثق عرى المداخلة والمخالطة ، فتقع الألفة والمودة في القلوب [1] .

ويؤيد ذلك نهيه في أول الحديث عن صحبة غير المؤمن فكأنه قال: لا تصاحب إلا مؤمنًا ، ولا تخالط ولا تؤالف ولا تخالل إلا تقيًا ، فأكل الطعام كناية عن دوام الصحبة وشدة المخالطة.

قال المناوي:"وليس المراد حرمان غير التقي من الإحسان ؛ لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أطعم المشركين ، وأعطى المؤلفة المئين ، بل يطعمه ولا يخالطه" [2] .

هذا وإن كان الحديث على ظاهره في النهي عن إطعام غير الأتقياء ، فقد سلك أهل العلم مسلك الجمع بينه وبين الآية ، وذكروا في ذلك وجهين هما:

الوجه الأول: أن الحديث يحمل على طعام الدعوة والوليمة التي يحصل بها المجالسة والمؤاكلة والمخالطة والإكرام ، دون طعام الحاجة ، أو الإطعام بدون مجالسة ومؤاكلة ، مما دلت الأدلة على جوازه كما تقدم .

وإلى هذا ذهب الخطابي [3] .

الوجه الثاني: أن الحديث يحمل على الندب والاستحباب .

(1) انظر: معالم السنن للخطابي 4/107، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح لملا علي قاري 9/223، فيض القدير للمناوي 6/525.

(2) فيض القدير 6/525.

(3) انظر: معالم السنن للخطابي 4/107.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت