الصفحة 581 من 729

تدل الآية الكريمة على أنه لو كان أمر وقوع العذاب الذي يطلبه المشركون إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لأوقعه بهم ، والحديث يفيد أنه عُرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - عذابهم واستئصالهم ، فاستأنى بهم ، وطلب عدم إهلاكهم [1] .

دفع موهم التعارض:

لقد وصف الله تعالى محمدًا - صلى الله عليه وسلم - في القرآن أنه رحمة للعالمين جميعا ، ولم يصف بذلك غيره من الأنبياء ، فقال سبحانه: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء: 107] ، وامتن سبحانه على هذه الأمة بإرساله إليهم رسولًا من جنسهم ، ويتحدث بلغتهم ، وجعله رؤوفًا رحيمًا بهم فقال: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة:128] ، وقال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ } [ آل عمران: 159] .

وجاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسول الله ادع على المشركين ، قال:"إني لم أبعث لعانًا ، وإنما بعثت رحمة" [2] .

ومن مظاهر رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمته ما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدم ، حين عُرض عليه إهلاك قومه ، واستئصالهم لمّا لم يستجيبوا لدعوته ، وآذوه ، فاختار عدم إهلاكهم ، وسأل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئًا.

(1) وقد ذكر ما قد يتوهم من التعارض بين الآية والحديث ابن كثير في تفسيره 3/264. وانظر: محاسن التأويل للقاسمي 4/379، أضواء البيان للشنقيطي2/148.

(2) أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب ، رقم (2599) 4/2006.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت