الصفحة 584 من 729

قد يُستدل بقوله تعالى في الآية الكريمة: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ u } على نفي رؤية الله تعالى مطلقًا ، سواء في الدنيا أو في الآخرة ، وهذان الحديثان وما في معناهما تدل على رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة [1] .

دفع موهم التعارض:

إن من عقيدة أهل السنة والجماعة إثبات رؤية المؤمنين لربهم تبارك وتعالى ، في الآخرة بأبصارهم ، جهرة كما يرى القمر ليلة البدر ، بدليل قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } [ القيامة:22 ، 23] ، وقوله تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [ يونس:26] على أن الحسنى هي الجنة ، والزيادة يعنى بها النظر إلى وجه الله الكريم ، كما يدل على ذلك قوله تعالى عن الكفار: { كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [ المطففين:15] .

وقد جاءت السنة بذلك في أحاديث كثيرة منها ما تقدم في حديثي جرير بن عبد الله وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما .

قال ابن كثير:"وأما السنة فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة ، وأنس ، وجرير ، وصهيب ، وبلال ، وغير واحد من الصحابة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة ، في العرصات ، وفي روضات الجنات ، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه ، آمين" [2] .

وقد حكى إجماع السلف على إثبات الرؤية عدد كبير من علماء الإسلام منهم الدارمي [3] ،

(1) وقد أشار إلى ما قد يتوهم من التعارض بين الآية وهذه الأحاديث ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ص 297، وابن جرير في جامع البيان 9/458-465، والزجاج في معاني القرآن 2/279، والقرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 1/404، وابن جزي في التسهيل لعلوم التنزيل 1/271، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم 3/309، وغيرهم .

(2) تفسير القرآن العظيم 3/309.

(3) انظر: الرد على الجهمية ص 103.

والدارمي هو: أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني الحافظ الإمام الحجة صاحب التصانيف ، فاق أهل زمانه في علم الحديث وعلله ، له الرد على الجهمية والنقض على المريسي ، توفي سنة (280هـ) .

انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي 2/621، شذرات الذهب لابن العماد 1/176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت