الصفحة 589 من 729

بل يمكن أن يقال: إن قوله تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } يدل على إثبات الرؤية ، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية [1] ، ونقله عنه ابن القيم ، فقال:"والاستدلال بهذا ـ أي بهذه الآية ـ أعجب ، فإنه من أدلة النفاة ، وقد قرر شيخنا وجه الاستدلال به أحسن تقرير وألطفه ، وقال لي: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله ، إلا وفي الدليل ما يدل على نقيض قوله ، فمنها هذه الآية وهي على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها ، فإن الله سبحانه وتعالى إنما ذكرها في سياق التمدح ، ومعلوم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية ، وأما العدم المحض فليس بكمال ، ولا يمدح الرب تبارك وتعالى بالعدم ، إذا لم يتضمن أمرًا وجوديًا كتمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية ... فلو كان المراد بقوله: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ u } أنه لا يرى بحال لم يكن في ذلك مدح ولا كمال ؛ لمشاركة المعدوم له في ذلك ، فإن العدم الصرف لا يرى ولا تدركه الأبصار ، والرب جل جلاله يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض ، فإذًا المعنى أنه يرى ، ولا يدرك ولا يحاط به" [2] .

وعلى فرض أن الآية تدل على نفي رؤية الله مطلقًا ، والتسليم بوجود تعارض بين قوله تعالى: { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ u } والأحاديث التي تدل على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة ، فإن أهل العلم سلكوا في دفع ذلك التعارض مسلك الجمع ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

(1) انظر: منهاج السنة 2/317-320، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز 1/214، 215.

(2) حادي الأرواح ص273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت