فهرس الكتاب
دفع موهم التعارض:
لقد نفى جمهور أهل العلم وجود تعارض بين قوله تعالى: { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ...الآية } [ الأنعام: 145] ، وبين الأحاديث التي تدل على تحريم مطعومات أخرى ، غير ما ذكر في الآية ، ومن ذلك: تحريم ماله ناب من السباع ، وماله مخلب من الطير ، والحمر الأهلية ؛ لأن المحرمات الواردة في الأحاديث حرمت بعد نزول الآية ، فالآية حصرت وأخبرت بما كان في الشرع من تحريم المطعومات وقت نزولها ، وهذا لا يمنع ولا ينافي إمكانية حدوث تحريم لأشياء أخرى من المطعومات بعد ذلك ، فكل محرم جاء في الكتاب ، أو حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فهو مضموم إلى هذه الآية ، وزيادة على ما ذكر فيها.
ويؤيد ذلك أن هذه الآية نزلت بمكة ، ولم تكن الفرائض قد تكاملت ، ولا المحرمات قد تتامت ، كما يقوي ذلك التعبير بلفظ الماضي في قوله: { فِي مَا أُوحِيَ } [1] .
وقد جعل ابن العربي نظير هذه الآية قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو قتل نفسًا بغير نفس" [2] ، وقال:"ثم ذكر علماؤنا أن أسباب القتل عشرة ، منها ما هو متفق عليه ، ومنها ما هو مختلف فيه ، ولم يعد ذلك نسخًا ، وإنما هو زيادة بيان ... إذ لم تأتِِ الشريعة جملة واحدة ، وإنما وضعت نوعًا نوعًا ، وفوجًا فوجًا" [3] .
(1) انظر: نواسخ القرآن 2/437.
(2) أخرجه البخاري في الديات ، باب قول الله تعالى: { أَنَّ النَّفْسَ ؤ§ّے¨Z9$$خ/...الآية } رقم (6878) 9/5 ، ومسلم في القسامة ، رقم (1676) 3/1302.
(3) الناسخ و المنسوخ في القرآن الكريم 2/219.