فهرس الكتاب
وأما استدلالهم بقوله تعالى: { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } [الأنفال: 25] ، وحديث زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: قلت يا رسول الله: أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال:"نعم ، إذا كثر الخبث"، على أن الإنسان يؤاخذ في الدنيا بذنوب غيره ، فمردود ، إذ ليس في الآية والحديث دلالة لهم على ذلك ؛ وذلك أن الآية وحديث زينب رضي الله عنها يدلان على أن المؤاخذة والعقوبة تحل بالظالم وغيره إذا ظهر الظلم والمنكر فلم يُغير ، فغير الظالم والفاعل للمنكر يؤاخذ بذنبه ، وهو تركه للأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر مع قدرته عليه ، كما يدل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه ، أوشك أن يعمهم الله بعقابه" [1] .
وأما استدلالهم بحديث عمر - رضي الله عنه -:"إن الميت ليعذب ببكاء الحي"على أن الإنسان يؤاخذ بذنوب غيره في البرزخ ، فيرده أن جمهور أهل العلم قد أولوا الحديث بما سبق ذكره في أوجه الجمع ؛ ليتفق مع قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } في الدلالة على أنه لا يؤاخذ ولا يعذب أحد بذنوب غيره.
وأما الوجه الثاني ، وهو أن قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } عام ، مخصص بالأحاديث الدالة على المؤاخذة بذنوب الغير ، فهو اجتهاد ممن قال به ، وهو خلاف ما عليه إجماع أهل العلم في أنه لا يؤاخذ أحد بذنوب غيره ، وتأويلهم لهذه الأحاديث ؛ لتتفق مع هذا الأصل العظيم .
(1) سبق تخريجه ص 506.