الصفحة 645 من 729

1-أن قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } لا دلالة فيه على نفي وجوب الدية على العاقلة ؛ لأن الآية إنما نفت أن يؤخذ الإنسان بذنب غيره ، وليس في إيجاب الدية على العاقلة أخذهم بذنب الجاني ، وإنما الدية على القاتل ، وأمر عاقلته بالدخول معه في تحملها على وجه المواساة له ، من غير إجحاف بهم ، دون أن يلزمهم ذنب جنايته ، أو يلاموا على فعل غيرهم.

ونظير ذلك ما أوجبه الله في أموال الأغنياء حقوقًا للفقراء ، من غير إلزامهم ذنبًا لم يذنبوه ، بل على وجه المواساة وإصلاح ذات البين [1] .

2-أن الإنسان القاتل خطأ لا ذنب عليه أصلًا ؛ لأنه لم يقصد شيئًا ، ولا مؤاخذة عليه إجماعًا ؛ لقول الله تعالى: { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الأحزاب:5] ، وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً } [ النساء:92] ، وقد وجبت عليه الكفارة ؛ مؤاخذة لعدم شدة التحفظ والتحرز من وقوع الخطأ ، أما بعد وقوع الخطأ فلا إثم عليه قطعًا ، وهولم يقصد سوءً ولا جريمة ، فلذلك أمر الله عاقلته أن يساعدوه في أداء الدية التي لزمته جريًا على مكارم الأخلاق ، وليس في ذلك مؤاخذة لعاقلة القاتل خطأ بذنوب غيرهم [2] .

هذا وقد رام بعض أهل العلم الجمع بين قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وما ورد في السنة من إيجاب دية القتل الخطأ على العاقلة ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

(1) انظر: أحكام القرآن للجصاص 3/194، إعلام الحديث للخطابي 4/2308، 2309، شرح الكرماني لصحيح البخاري 24/32.

(2) انظر: التفسير الكبير للرازي 7/312، أضواء البيان 3/346، 347، العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير 2/952، 953.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت