الصفحة 648 من 729

وقد رام بعض أهل العلم التوفيق بين قوله تعالى: { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وهذا الحديث ، على القول بصحته ، فسلكوا مسلك الجمع بينهما ، وذكروا في ذلك وجوهًا منها ما يلي:

الوجه الأول: أن الحديث من العام الذي يراد به الخصوص ، فهو عام في ولد الزنا ، لكن أريد به خصوص ولد الزنا الفاجر الخبيث ؛ لأن النطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب ، أما ولد الزنا الصالح فغير معني بهذا الحديث ، وعلى هذا فلم يحرم ولد الزنا الخبيث الجنة بفعل والديه ، بل بفعله وذنبه ، فلا تعارض بين الآية والحديث.

وإلى هذا ذهب ابن القيم [1] .

الوجه الثاني: أن الحديث ليس على إطلاقه ، بل المراد منه لا يدخل ولد الزنا الجنة إذا عمل بمثل عمل أبويه [2] .

الوجه الثالث: أن المراد بولد الزنا في الحديث الزاني الذي يواظب على الزنا ، سمي بذلك ؛ لملازمته الزنا ، كما يقال للشجعان بنو الحرب ، وللشهود بنو الصحف ، ولأولاد المسلمين بنو الإسلام ، وللمسافرين بنو السبيل [3] .

الوجه الرابع: أن المراد بالحديث لا يدخل ولد الزنا الجنة بعمل أبويه ؛ لأنه منقطع النسب عن أبيه ، وأما أمه فشؤم زناها وإن صلحت يمنع من وصول بركة صلاحها إليه ، بخلاف ولد الرشد فإنه إذا مات طفلًا ، وأبواه مؤمنان ألحق بهما ، كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ u } [الطور:21] .

وهذا الوجه نسبه غير واحد إلى الرافعي [4] .

(1) انظر: المنار المنيف ص133.

(2) انظر: كشف الخفاء للعجلوني 2/501 ، فيض القدير 4/563.

(3) انظر: كشف الخفاء 2/501. المقاصد الحسنة للسخاوي ص 549.

(4) انظر: تنزيه الشريعة لابن عراق 2/228، المقاصد الحسنة للسخاوي ص 549 ، اللآلي المصنوعة للسيوطي 2/164 ، فيض القدير للمناوي 4/563. ... ... ... ... ... ... =

=والرافعي هو: عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين القزويني ، أبو القاسم الرافعي ، له الشرح الكبير المسمى بالفتح العزيز في شرح الوجيز ، وشرح مسند الشافعي ، كان متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا ، وأما الفقه فهو فيه عمدة المحققين.

انظر: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي 8/281، شذرات الذهب لابن العماد 3/108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت