فهرس الكتاب
46-أنها تجرئ على العبد من لم يكن يجترئ عليه:
من أصناف المخلوقات فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين، وإنسائه ما به مصلحته في ذكره ومضرته في نسيانه، فتجترئ عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله أزًا، وتجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره، ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم.
47-أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه في تحصيل هذا العلم:
فإن كل أحد محتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس وأعرفهم بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكسبهم مَنْ قوي على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه، وكفها عما يضره، وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهمهم ومنازلهم، فأعرفهم من كان عارفًا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدهم مَن آثر هذه على هذه، كما أن أسفههم من عكس الأمر، والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل العلم وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع له في الدارين، فإذا وقع في مكروه واحتاج إلى التخلص منه خانه قلبه ونفسه وجوارحه وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به، كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنًا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئًا، والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها فما الظن بها؟
48-أنها تعمي القلب: