فتصير له عادة فلا يستقبح من نفسه رؤية الناس له ولا كلامهم فيه، وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها مَن لم يعلم أنه عملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا، وهذا الضرب من الناس لا يعافون ويسد عليهم طريق التوبة وتغلق عنهم أبوابها في الغالب كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون» [1] .
13-المعاصي ميراث الأمم الهالكة:
إن كل معصية من المعاصي فهي ميراث عن أمة من الأمم التي أهلكها الله عز وجل؛ فاللوطية ميراث عن قوم لوط، وأخذ الحق بالزائد ودفعه بالناقص ميراث قوم شعيب، والعلو في الأرض بالفساد ميراث عن قوم فرعون، والتكبر والتجبر ميراث عن قوم هود. فالعاصي لابس ثياب بعض هذه الأمم وهم أعداء الله.
14-سبب لهوان العبد على ربه:
إن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزُّوا عليه لعصمهم. وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد كما قال تعالى: { وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ } [الحج: 18] . وإن عظمهم الناس في الظاهر لحاجتهم إليهم، أو خوفًا من شرهم، فهم في قلوبهم أحقر شيء وأهونه.
15-أن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتى يهون عليه ويصغر في قلبه:
وذلك علامة الهلاك؛ فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الرب.
وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال: «إن المؤمن يرى ذنوبه كأنها في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا فطار» .
16-أن غيره من الناس والدواب يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والمعاصي.
(1) أخرجه البخاري (10/501) كتاب الأدب: باب ستر المؤمن على نفسه، ومسلم (2990) كتاب الزهد والرقائق: باب النهي عن هتك الإنسان ستر نفسه، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - .