فهرس الكتاب
وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك شرطًا لحصول لذة الإيمان، فقال: «ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار» [1] .
واليوم نرى على جنبات الطريق صرعى وهلكى من جراء جحيم العواطف التي عبثت بهم.
إن الهوى والعشق والغرام يفعل فعله بصاحبه حتى قد ينحر دينه قربانًا لهواه، وهذا أحدهم يعبر عن سكره ومصرعه بقوله:
رهبان مدين والذين عهدتهم يبكون من حذر العذاب قعودًا
لو يسمعون كما سمعت كلامها خروا (لعزة) [2] ركعًا وسجودًا
إنها القلوب التي خلت وأصابها الخواء حين حرمت لذة محبة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن استبدلت بذلك الهوى والغرام.
أما فتيات الصحابة -رضوان الله عليهن- فلهن مع ذلك شأن آخر.
تَقْدُم أم أسماء بنت أبي بكر إلى ابنتها -رضي الله عنها- فترى أسماء أن بقاء أمها على الشرك قد يسقط حقها في الصلة؛ فترفض استقبالها حتى تستأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتستفتيه.
عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: قدمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: إن أمي قدمت وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم، صلي أمكِ» [3] .
إن هذا السؤال ليس صادرًا من قلبٍ قاسٍ عاق، وليس نتاج استثقال البر والصلة، لكنه صادر من تلك المرأة الصالحة -رضي الله عنها- التي ترى صلة الدين فوق كل صلة ورابطته فوق كل رابطة.
(1) رواه البخاري (16) ومسلم (43)
(2) عزة: اسم محبوبته.
(3) رواه البخاري (2620) ومسلم (1003)