فأصبح ذا قوتين عظيمتين: قوة تعاليمه ، وقوة رجاله وأنصاره ، فتعاليمه قوية بالغة نهاية القوة لأنها مفهومة ميسورة ، لا تعقيد فيها ولا ضلال ، فالعبد يتصل بربه مباشرة لا وسيط ولا شريك ، ويخصه بكل معاني عبادته ودينه وحده ، والمعرض المبعد عن ربه إذا ما أراد التوبة والرجوع إليه فما عليه إلا أن يخلص له قلبه وعمله ، ويبسط إليه تعالى يد المتاب فيقبله ويغفر له ذنوبه وإن كانت عدد ذنوب الخلق جميعًا ، ولا يحتاج إلى أن يذهب إلى قسيس أو راهب أو وثن أو حجر أو قبر رجل صالح ، فيذل له ويشكو إليه ليرفع أمره وتوبته إلى الله ، كي يغفر له ، وكي يعفو عنه ، فتعاليمه ليست سوى إيقاظ الفطرة الإنسانية وتخليصها من الأخلاط والأغلاط ، فالله كما خلق الخلق وحده بلا شريك ولا معين ، فكذلك ليعبدوه وحده لا شريك له ولا نديد .
وأين من هذه التعاليم الأقانيم الثلاثة: الأب ، والإبن ، والروح القدس شيء واحد ، وحلول اللاهوت في الناسوت ، والاعتراف ، وبيع الجنة ، والصلب والفداء ، وما في هذا من التخليط والتضليل !؟ وأين من هذا إله المجوس ، وأوثان العرب ودعاوى اليهود وتشبيههم وأقوالهم العظيمة في الله وفي أنبيائه والأغلال والآصار التي كانت عليهم .
أما رجاله وقواده فكانوا أقوياء أيضًا ، غاية القوة لأنه علمهم ألا يخاف العبد إلا ربه وذنبه ، وألا يذل إلا لمن ذل له كل شيء وخلق كل شيء ، ولمن بيديه أسباب الخوف وأسباب الأمن وحده ، وألا يتاخر عن الموت من طلب الحياة وأحبها .. فإن من رغب في الموت ذلت له ناصية الحياة ، ومن رغب في الحياة ذلت ناصيته للموت ، فكانوا يقدمون على الموت إقدام من ليست حياته ملكًا له .