وكان - صلى الله عليه وسلم - يدخل حائط أبي طلحة المسمى ببيرحا، ويشرب من ماء فيها طيب [1] بغير إذنه، على ما قاله علماؤنا، قالوا: والماء متملك لأهله.
وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه، جاز الأكل من ثماره وطعامه، إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته، أو لما بينهما من المودة.
ومن هذا المعنى: إطعام أم حرام له - صلى الله عليه وسلم - إذا نام عندها [2] ؛ لأن الأغلب: أن ما في البيت من الطعام هو للرجل، وأن يد زوجته في ذلك عارية" [3] ."
قال القرافي:"أي لا يحصل الرضى إلا مع الشعور والإرادة والمكنة من التصرف" [4] .
وقال النووي:"أما القريب والصديق فإن تشكّك في رضاه بالأكل من ثمره وزرعه وبيته لم يحل الأكل منه بلا خلاف، وإن غلب على ظنه رضاه به وأنه لا يكره أكله منه جاز أن يأكل القدر الذي يظن رضاه به، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال والأموال" [5] .
وعلى ذلك تكون الآية محكمة وعمومها مفيد بخصوص الحديث فلا يجوز الأكل من منزل الصديق إلا بإذنه.
(1) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب (1461) ، ومسلم، كتاب: الزكاة باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين (998) .
(2) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد والسير، باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء (2788) ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضل الغزو في البحر (1912) .
(3) انظر: الجامع لأحكام القرآن القرطبي (12/316) ، وبالنسبة لتصرف الزوجة في مال زوجها فلا يصح قياس المرأة على غيرها؛ لأنها بحكم العادة تتصرف في مال زوجها وتتبسط فيه، وتتصدق منه لحضورها وغيبته، والإذن العرفي يقوم مقام الإذن الحقيقي فصار كأنه قال لها: افعلي هذا. انظر: المغني (4/301) .
(4) أنوار البروق في أنواء الفروق (1/163) .
(5) المجموع (9/59) .