الصفحة 63 من 130

أصول الإمام أحمد

الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث والضعيف

إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه وهو الذي رجحه على القياس وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه فالعمل به بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف وللضعيف عنده مراتب فإذا لم يجد في الباب أثرا يدفعه ولا قول صاحب ولا إجماعا على خلافه كان العمل به عنده أولى من القياس.

وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقته على هذا الأصل من حيث الجملة فإنه ما منهم أحد إلا وقد قدم ... الحديث الضعيف على القياس.

فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس وأجمع أهل الحديث على ضعفه وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر على القياس وأكثر أهل الحديث يضعفه وقدم حديث أكثر الحيض عشرة أيام وهو ضعيف باتفاقهم على محض القياس فإن الذي تراه في اليوم الثالث عشر مساو في الحد والحقيقة والصفة لدم اليوم العاشر وقدم حديث لا مهر أقل من عشرة دراهم وأجمعوا على ضعفه بل بطلانه على محض القياس فإن بذل الصداق معاوضة في مقابلة بذل البضع فما تراضيا عليه جاز قليلا كان أو كثيرا.

وقدم الشافعي خبر تحريم صيد وج مع ضعفه على القياس وقدم خبر جواز الصلاة بمكة في وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد وقدم في أحد قوليه حديث من قاء أو رعف فليتوضأ وليبن على صلاته على القياس مع ضعف الخبر وإرساله

وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس

وقال في كتاب الفروسية:

من أصول مذهب الإمام أحمد بن حنبل

أصله الذي بنى عليه مذهبه أنه لا يقدم على الحديث الصحيح شيئا البتة لا عملا ولا قياسا ولا قول صاحب وإذا لم يكن في المسألة حديث صحيح وكان فيها حديث ضعيف وليس في الباب شئ يرده عمل به فإن عارضه ما هو أقوى منه تركه للمعارض القوي وإذا كان في المسألة حديث ضعيف وقياس قدم الحديث الضعيف على القياس وليس الضعيف في اصطلاحه هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل هو والمتقدمون يقسمون الحديث إلى صحيح وضعيف والحسن عندهم داخل في الضعيف بحسب مراتبه وأول من عرف عنه أنه قسمه إلى ثلاثة أقسام أبو عيسى الترمذي ثم الناس تبع له بعد فأحمد يقدم الضعيف الذي هو حسن عنده على القياس ولا يلتفت إلى الضعيف الواهي الذي لا يقوم به حجة بل ينكر على من احتج به وذهب إليه فإن لم يكن عنده في المسألة حديث أخذ فيها بأقوال الصحابة ولم يخالفهم وإن اختلفوا رجح من أقوالهم ولم يخرج منها وإذا اختلفت الصحابة في مسألة ففي الغالب يختلف جوابه فيها ويخرج عنه فيها روايتان أو أكثر فقل مسألة عن الصحابة فيها روايتان إلا وعنه فيها روايتان أو أكثر فهو أتبع خلق الله للسنن مرفوعها وموقوفها.

وكان تحريه لفتاوي الصحابة كتحري أصحابه لفتاويه ونصوصه بل أعظم حتى إنه ليقدم فتاواهم على الحديث المرسل قال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ في مسألة قلت لأبي عبد الله حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل برجال ثبت أحب إليك أو حديث عن الصحابة والتابعين متصل برجال ثبت قال أبو عبد الله رحمه الله عن الصحابة أعجب إلي

وقال رحمه الله تعالى في كتاب (إعلام الموقعين) في تقديم الحديث الضعيف على الرأي.

وقال عبد الله بن أحمد أيضا سمعت أبي يقول الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي فقال عبد الله سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب الرأي فتنزل به النازلة فقال أبي يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث أقوى من الرأي

أبو حنيفة يقدم الحديث

وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعيف وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا كما تقدم بيانه.

والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة وأنه لا يحل العمل به لا فتيا ولا قضاء وأن الرأي الذي لا يعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت