فهرس الكتاب
لما غابت الشمس واختفى القرص ، دفع صلى الله عليه وسلم ، وركب ناقته (9) ، وأردف أسامة بن زيد خلفه ، ليُظهر شرفه ، وليرفع مكانته بين الناس ، لأنه كان من الموالي ، وليُري الناس أن الشرف بالتقوى ، وليس بالأحساب والأنساب ، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) [الحجرات 13] .
وقوله وفاض بالسكينة والترشيد: يقصد الإفاضة بهدوء وسهولة ، ونادى في الناس ( السكينة السكينة ) ، وقد ضيق زمام ناقته ، حتى إن رأسها ليصيب مورك الرحل، وكلما أتى مجتمع الرمل أرخى لها حتى تصعد ، وكان في سيره هذا ملبيًا ذاكرًا لله ، ولم يقطع تلبيته بعد .
واحتدَّت الأرواح والأنفاسُ
السكينةَ السكينةْ يا أناس
أرخى لها صُعدًا بلا أثقال
وكلما أتى حبلًا من الحبال
تلك الصلاة بأذان سُمعا
حتى أتى جمْعًا وفيها جمَعا
وفيهما أقامَ للتشريعِ
ولم يكن آذن في الجميعِ
الشرح:
قوله: السكينة السكينة يا أناس: يقصد أي خاطب الناس، لما لحظ شدة دفعهم أي الزموا السكينة ، وكان يرخي زمام الناقة كما سلف ، لكى يسهل صعودها لِما ارتفع من الأرض.
وقوله: حبلًا من الحبال: الحبل بالحاء المهملة هو المستطيل من الرمل ، وقيل الضخم وجمعه حبال.
قال: حتى أتى جمعًا وفيها جمعا ، يقصد المزدلفة ، وهذا من أسمائها ، وهناك صلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين جمع تأخير ، هذا هو المختار ، وما عداه واهٍ ضعيف. (10)
ثم اضطجع إلى طلوع الفجر
ولم يسبح بينهم في الأثر
بلا تعجب ولا تواني
ثم أقامها مع البيان
الشرح:
وأثناء جمعه الصلاتين لم يسبح بينهما ، أى لم يصل نافلة ، فلا يشرع التنفل بينها ، ثم نام صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر . وهل أوتر تلك الليلة؟! ظاهر اللفظ أنه لم يوتر لأن جابرًا كان متحريا في النقل ، لكن قد يقال: أنه قد أوتر ولم يعلم به جابر ، لا سيما إذا استصحبنا عنايته بالوتر حضرا وسفرا .