فهرس الكتاب
الحياة للابتلاء. ثم الجزاء في يوم الجزاء: «قُلْ: هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» ..
والذرء: الإكثار. ويحمل كذلك معنى الانتشار. والحشر: الجمع بعد النشر في الأرجاء. وهما حركتان متقابلتان من الناحية التصورية ، تقابلهما من الناحية المعنوية. ذلك مشهد للإكثار من الخلق ونشرهم أو نثرهم في الأرض. وهذا مشهد لجمعهم منها وحشرهم بعد النشر والنثر! ويجمعهما السياق في آية واحدة ، ليتقابل المشهدان في الحس والتصور على طريقة القرآن. وليتذكر البشر وهم منتشرون في الأرض أن هناك غاية هم صائرون إليها ، هي الجمع والحشر. وأن هناك أمرا وراء هذا ، ووراء الابتلاء بالموت والحياة.
ثم يحكي شكهم في هذا الحشر ، وارتيابهم في هذا الوعد: «وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ؟ ..
وهو سؤال الشاك المستريب. كما أنه سؤال المماحك المتعنت. فإن معرفة موعد هذا الوعد وميقاته لا تقدم ولا تؤخر ولا علاقة لها بحقيقته ، وهو أنه يوم الجزاء بعد الابتلاء. ويستوي بالقياس إليهم أن يجيء غدا أو أن يجيء بعد ملايين السنين .. فالمهم أنه آت ، وأنهم محشورون فيه ، وأنهم مجازون بما عملوا في الحياة.
ومن ثم لم يطلع اللّه أحدا من خلقه على موعده ، لأنه لا مصلحة لهم في معرفته ، ولا علاقة لهذا بطبيعة هذا اليوم وحقيقته ، ولا أثر له في التكاليف التي يطالب الناس بها استعدادا لملاقاته ، بل المصلحة والحكمة في إخفاء ميقاته عن الخلق كافة ، واختصاص اللّه بعلم ذلك الموعد ، دون الخلق جميعا: «قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ» .
وهنا يبرز بجلاء فارق ما بين الخالق والمخاليق. وتتجرد ذات اللّه ووحدانيته بلا شبيه ولا شريك. ويتمحض العلم له سبحانه. ويقف الخلق - بما فيهم الرسل والملائكة - في مقامهم متأدبين عند مقام الألوهية العظيم: «قُلْ: إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ