وأقل ما تنشئه هذه الحقيقة في النفس .. أن تقبل على هذا القرآن بهذا الفهم وهذا الإدراك وهذا التصور.
أن تواجهه وهو يتحرك ويعمل وينشئ التصور الجديد ، ويقاوم تصورات الجاهلية ، ويدفع عن هذه الأمة ، يقيها العثرات. لا كما يواجهه الناس اليوم نغمات حلوة ترتل ، وكلاما جميلا يتلى ، وينتهي الأمر .. إنه لامر غير هذا نزّل اللّه القرآن .. لقد نزله لينشئ حياة كاملة ، ويحركها ، ويقودها إلى شاطئ الامان بين الأشواك والعثرات ، ومشقات الطريق التي تتناثر فيها الشهوات كما تتناثر فيها العقبات. واللّه المستعان .. [1]
إن القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي ورائدها الناصح وأنه هو مدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها.
وأن اللّه - سبحانه - كان يربي به الجماعة المسلمة الأولى التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض ، وناط بها هذا الدور العظيم بعد أن أعدها له بهذا القرآن الكريم. وأنه - تعالى - أراد بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي - الباقي بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقيادة أجيال هذه الأمة ، وتربيتها ، وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به ، كلما اهتدت بهديه ، واستمسكت بعهدها معه ، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن ، واستغزت به واستعلت على جميع المناهج الأرضية. وهي بصفتها هذه ، مناهج الجاهلية! إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى .. ولكنه دستور شامل .. دستور للتربية ، كما أنه دستور للحياة العملية ، ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها وتضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم - عليه السلام - وقدمها زادا للأمة المسلمة في جميع أجيالها. تجاربها في الأنفس ، وتجاربها في واقع الحياة. كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها ، وهي تتزود لها بذلك الزاد الضخم ، وذلك الرصيد المتنوع.
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 261)