فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 221

لتحقيقها , والموضوعات الإلهية والتشريعية التي تناولها ... كل أولئك مباحث ليست من همنا هنا ؛ وإذا كان بعضها قد جاء عرضا في ثنايا الفصول الماضية , فإنما جئنا به لننظر كيف تناوله القرآن , وكيف سلك في التعبير عنه . وبعض الناس حين ينظر في هذه الموضوعات , ويرى ما فيها من دقة وعظمة , وصلاحية ومرونة , وإحاطة وشمول , يحسبها ميزة القرآن الكبرى , ويحسب أن طريقة التعبير القرآنية تابعة لها , وأن الإعجاز كله كامن فيها ؛ كما أن بعضهم يفرق بين المعاني وطريقة الأداء , ويتحدث عن إعجاز القرآن في كل منهما على انفراد .

أما نحن فنريد أن نقول: إن الطريقة التي اتبعها القرآن في التعبير , هي التي أبرزت هذه الأغراض والموضوعات ؛ فهي كفاء هذه الأغراض والموضوعات .

ولا يردنا هذا إلى تلك المباحث العقيمة حول اللفظ والمعنى - وقد استغرقت من النقاد العرب ما استغرقت مند أن أثارها الجاحظ , فزعم أن المعاني ملقاة على قارعة الطريق ؛ ثم تابعه في البحث ابن قتيبة وقدامة وأبو هلال العسكري وغيرهم مخالفين ومؤيدين - وإنا لنحسب أن"عبد القاهر"قد وصل فيها إلى رأي حاسم حين انتهى في"دلائل الإعجاز"إلى أن اللفظ وحده , لا يتصور عاقل أن يدور حوله بحث من حيث هو لفظ , إنما من حيث دلالته يدور البحث فيه . وأن المعنى وحده لا يتصور عاقل أن يدور حوله بحث من حيث هو خاطر في الضمير , إنما من حيث أنه ممثل في لفظ يدور البحث فيه . وأن المعنى مقيد في تحديده بالنظم الذي يؤدي به , فلا يمكن أن يختلف النظمان . ثم يتحد المعنى تمام الاتحاد .

لم يصغ"عبد القاهر"القضية هذه الصياغة المختصرة , فنحن نترجم عنه ؛ وإلا فقد استغرق فيها كتابا لا نستطيع نقله هنا , ولا نقل فقرات منه كالتي نقلناها في أول هذا الكتاب , بذلك الأسلوب المعقد الذي رأيناه هناك .

ولكن له فضله العظيم في تقرير هذه القضية , ولو خطا خطوة واحدة في التعبير الحاسم عنها , لبلغ الذروة في النقد الفني , فنقول نحن عنه: إن طريقة الأداء حاسمة في تصوير المعنى ؛ وإنه حيثما اختلفت طريقتان للتعبير عن المعنى الواحد اختلفت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت