فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 221

إن المعاني في الطريقة الأولى تخاطب الذهن والوعي , وتصل إليهما مجردة من ظلالها الجميلة . وفي الطريقة الثانية تخاطب الحس والوجدان , وتصل إلى النفس , من منافذ شتى: من الحواس بالتخييل . ومن الحس عن طريق الحواس , ومن الوجدان المنفعل بالأصداء والأضواء . ويكون الذهن منفذا واحدا من منافذها الكثيرة إلى النفس . لا منفذها المفرد الوحيد .

ولهذه الطريقة فضلها ولا شك في أداء الدعوة لكل عقيدة ؛ ولكننا إنما ننظر إليها هنا من الوجهة الفنية البحتة . وإن لها من هذه الوجهة لشأنا . فوظيفة الفن الأولى هي إثارة الانفعالات الوجدانية ؛ وإشاعة اللذة الفنية بهذه الإثارة , وإجاشة الحياة الكامنة بهذه الانفعالات , وتغذية الخيال بالصورة لتحقيق هذا جميعه .. وكل أولئك تكفله طريقة التصوير والتشخيص للفن الجميل: وإليك المثال فوق ما ضربنا من أمثال:

1-معنى النفور الشديد من دعوة الإيمان ينقل إليك في صورته التجريدية هكذا: إنهم لينفرون أشد النفرة من دعوة الإيمان . فيتملى الذهن وحده النفور في برود وسكون . ثم ينقل إليك في هذه الصورة العجيبة:"فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ . فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ". فتشترك مع الذهن حاسة النظر , وملكة الخيال , وانفعال السخرية , وشعور الجمال: السخرية من هؤلاء الذين يفرون كما تفر حمر الوحش من الأسد ؛ لا لشئ إلا لأنهم يُدعون إلى الإيمان ! والجمال الذي يرتسم في حركة الصورة حينما يتملاها الخيال في إطار من الطبيعة , تشرد فيه هذه الحمر يتبعها"قسورة"المرهوب !

فللتعبير هنا ظلاله حوله , تزيد في مساحته النفسية - إذا صح هذا التعبير !

2-ومعنى عجز الآلهة التي كان العرب يعبدونها من دون الله , يمكن أن يؤدَّى في عدة تعبيرات ذهنية مجردة , كأن يقال: إن ما تعبدون من دون الله لأعجز عن خلق أحقر الأشياء . فيصل المعنى إلى الذهن مجردا باهتا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت