الصفحة 15 من 603

قال محمد بن ذكوان: غدوت يوم السبت فصليت الغداة في المسجد الجامع وإذا النضر بن عمرو، قاص من قصاص أهل الشام، يقص عليهم؛ فلما فرغ تكلم الحسن فجمع القول واختصر ثم سكت، فأقبل عليه النضر بن عمرو فقال: يا أبا سعيد إن الله تبارك وتعالى خلق الدنيا وخلق ما فيها فلم يخلق ما فيها من رئاستها وبهجتها وزينتها إلا لعباده فقال: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ؛ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (1) ؛ فأخذ في هذا النحو، فلما فرغ من قوله أهوى الحسن بيده إلى ركبة النضر فجعل يهزها وقال: أيها الرجل اتق الله في نفسك ولا تؤفك ولا تهلك وإياك وهذه الأمانيّ أن ترجح فيها، فإن أحدًا لم يعط بأمنيته خيرًا من خير الدنيا والآخرة (2) ؛ إن الله اختار نبيكم صلى الله عليه وسلم لنفسه وبعثه برسالاته وجعله رسولا إلى خلقه ثم أنزل عليه كتابه ثم وضعه من الدنيا موضعًا وقوّت له فيها قوتًا، حتى إذا نظر أهل الدنيا إلى مكانه من الدنيا ومكان الدنيا منه قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (3) ؛ ههنا أمرنا أن نأخذ بأمره وأن نقتدي بهديه وأن نسلك طريقه وأن نعمل بسنته؛ فما بلغْنا فبمن الله ورحمته، وما قصَّرْنا استغفرنا؛ فذاك باب مخرجنا؛ فأما الأماني فلا خير فيها ولا في أحد من أهلها؛ قال النضر عند ذلك: يا أبا سعيد والله إنا على ما كان فينا لنحب ربنا؛ قال الحسن: قد قال ذلك قوم على عهد نبيكم صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد والله إنا لنحب ربنا فأنزل الله على نبيه: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ) (4)

(1) الأعراف (31-32) .

(2) انظر هذه القطعة في (الزهد) (ص284) .

(3) الأحزاب (21) .

(4) آل عمران (31) ؛ ووردت هذه القطعة الأخيرة من هذا الأثر في (طريق الهجرتين) (ص451) وانظر (مجموع الفتاوى) (2/454) و (جامع العلوم والحكم) (ص75) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت