فهرس الكتاب
كان عمرُ بن عبد العزيز إذا ذكرَ الموتَ اضطربتْ أوصاله (1) . (5/316)
قال ميمونُ بنُ مهران: دخلتُ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ يومًا وعنده سابقٌ البربريُّ الشاعرُ وهو يُنشدُ شِعرًا، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات:
فكم مِن صحيحٍ بات للموتِ آمنًا
أتته المنايا بغتةً بعدما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموتُ بغتةً
فرارًا ولا منه بقوتِهِ امتنع
فأصبحَ تَبكيهِ النساءُ مقنَّعًا
ولا يسمعُ الداعي وإنْ صوتَه رفع
وقُرِّبَ مِن لحدٍ فصار مقيلَهُ
وفارقَ ما قد كانَ بالأمس قد جمع
فلا يتركُ الموتُ الغنيَّ لمالهِ
ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
قال: فلم يزلْ عمرُ يبكي ويضطربُ حتى غُشيَ عليهِ فقمنا فانصرفنا عنه. (5/318)
خطب عمرُ بن عبد العزيز الناسَ فقالَ: أيها الناسُ لا يبعُدَنَّ عليكم ولا يطولَنَّ يومُ القيامةِ، فإنه مَن وافته منيتُه فقد قامتْ عليهِ قيامتُه، لا يستطيعُ أن يزيدَ في حسَنٍ ولا يُعتَبُ مِن سيءٍ، ألا لا سلامةَ لامرىءٍ في خلافِ السنةِ، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الله، ألا وإنكم تُسمونَ الهاربَ مِن ظلمِ إمامِه: العاصي! ألا وإنَّ أولاهما بالمعصيةِ الإمامُ الظالمُ. (5/325)
قال يزيد بن أبان الرقاشي: ابن آدم إنك رقيق (2) على الناس غليظ بعضك على بعضك! لو نُعِيَ إليك بعضُ أهلك بكيت، وأنت كلَّ يوم تُنعى إليك نفسك [وَ] لا تبكيها (3) ! (محاسبة النفس 116)
قال عيسى بن فروخ: كان الربيع بن خثيم إذا كان الليل ووجد غفلة الناس خرج إلى المقابر فيقول: يا أهل المقابر كنا وكنتم، فإذا اصبح فكأنه نشر من قبر. (صف3/61)
أحوال التابعين ووصاياهم عند الموت
(1) وورد في رواية أن عمر كان إذا ذكر الموت انتفض انتفاض الطير وبكى حتى تجري دموعه على لحيته. (5/316)
(2) يحتمل أن تكون (رفيق) بالفاء.
(3) وفي مثل ذلك يقول الشاعر:
فيبكي على ميت ويغفل نفسه*** **كأنَّ بكفيه أمانًا من الردى
وما الميت المقبور في صدر يومه*أحقُّ بأن يبكيه من ميت غدا