فهرس الكتاب
قال يعلى بن عبيد: حدثنا أبو حيان عن أبيه قال: كتب الربيع بن خثيم وصية:"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الربيع بن خثيم، وأشْهَدَ عليه، وكفى بالله شهيدًا وجازيًا لعباده الصالحين مثيبًا، إني رضيت بالله ربًا، وبالاسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، وأن يعبد اللهَ من أطاعني في العابدين، ويَحْمَدَه في الحامدين، وينصح لجماعة المسلمين". (روضة العقلاء ص197-198)
ذكر ابن عون أن الحسن لما حضرته الوفاة استرجع ثم اخرج يده فحركها ثم قال: هذا والله منزلة صبر واستسلام. (وصايا العلماء ص78)
أوصى خيثمة أن يدفن في مقبرة فقراء قومه. (صف 3/94)
قال علقمة للأسود: إن أنا متُّ (1) فلقني لا إله إلا الله، فإذا أنا مت فلا تنعني لأحد فإني أخاف أن يكون نعيًا كنعي الجاهلية فإذا خرجتم بجنازتي من الدار فاغلقوا الباب حين يخرج آخر الرجال وعلى أول النساء فإنه لا أرب لي فيهن (2)
(1) أي اقتربت من الموت.
(2) وهذه بعض أخبار وأقوال العلماء والعبّاد والحكماء والزهاد والأدباء والأذكياء، عند موتهم أو موت أصحابهم وأقاربهم ونحوهم، أنقلها من كتاب الدرة في التعازي والمراثي من (العقد الفريد) لأحمد بن محمد بن عبد ربّه؛ فإنه قد قال في أول الكتاب المذكور:
(قد مضى قولنا في الزُهد ورجاله المَشْهورين ؛ ونحن قائلون بعَون الله وتوفيقه في النَّوادب والمراثي والتَعازي بأبلغ ما وَجدناه من الفِطر الذكيّة والألفاظ الشجيّة التي تُرقّ القلوبَ القاسية وتذيب الدموع الجامدة، مع اختلاف النَّوادب عند نزول المصائب.
فنادبة تُثير الحُزْن من رَبْضَته وتَبعث الوَجْدَ من رَقْدَته بصوتٍ كترجيع الطَير، تُقَطع أنفاسَ المآتم وتترك صدْعًا في القلوب الجلامد.
ونادبة تَخْفِض من نَشِيجها وتقْصِد في نحيبها وتَذهب مَذْهَب الصبر والاستسلام والثِّقة بجزيل الثواب ).
ثم ذكر قصصًا وأخبارًا انتقيت منها ما يلي:
قال عمر بن ذَرّ: سألتُ أبي: ما بالُ الناس إذا وعظتَهم بَكَوْا وإذا وَعظهم غيرُك لم يَبكوا؟ قال: يا بُني ليست النائحة الثَكلى مثلَ النائحة المُستأجَرَة .
وقال الأصمعيّ: قلتُ لأعرابيّ: ما بالُ المراثي أشرفُ أشعاركم؟ قال: لأنّا نقولُها وقلوبنا مُحْترقة .
وقالت الحكماء: أعظم المصائب كلّها انقطاعُ الرّجاء .
وقالوا: كلُّ شيء يَبدو صغيرًا ثم يَعْظُم، إلا المصيبةَ، فإنها تبدو عظيمة ثم تصْغُر .
الأصمعيّ عن مُعْتمر عن أبيه قال: لقِّنوا مَوْتاكم الشَّهادة فإذا قالوها فدَعوهم ولا تُضْجروهم .
وقال الحسن: إذا دخلتم على الرجل في المَوت فبَشِّروه لِيَلْقى ربّه وهو حسن الظنّ به وإذا كان حيًّا فخَوِّفوه .
أبو الحُبَاب قال: لما احتضر مُعاذ قال لخادمته: (وَيْحكِ ! هل أصْبَحْنَا قالت: لا ثم تركها ساعةً، ثم قال لها: انظُري، فقالت: نعم، قال: أعوذ باللهّ من صباحٍ إلى النار) ؛ ثم قال: (مَرْحبًا بالموت مَرْحبًا بزائر جاء على فاقة، أفلح من نَدِم ؛ اللهم إنك تعلم أني لم أحِبّ البقاء في الدنيا لِجَرْي الأنهار وغرْس الأشجار ولكن لمُكابدة اللَّيل الطويل وظمأ الهَواجر في الحرّ الشديد ومُزاحمة العُلماء بالرًّكب في مجالس الذِّكر) .
ولما حضرت الوفاةُ عمرَ بنَ عُتبه قال لرفيقه: نَزَلَ بي الموتُ ولم أتأهّب له؛ اللهم إنك تعلم أنه ما سَنح لي أمران لك في أحدهما رضًا ولي في الآخر هوًى إلا آثرْتُ رِضَاك على هَوَاي .
ابن السمَّاك قال: دخلتُ على يزيد الرَّقاشي وهو في الموت فقال لي: سَبَقَني العابدون وقُطع بي والهْفَاه ! .
موسى الأسْوارِيّ قال: دخلتُ على أزْدامَرْد وهو ثَقيل فإذا هو كالخُفَّاش لم يَبْقَ منه إلا رَأْسُه فقُلْت له: يا هذا ما حالُك؟ قال: وما حالُ من يُرِيد سفرًا بعيدًا بغير زاد؟ ويَنطلق إلى ملك عَدْل بغير حُجَّة؟ ويَدْخُل قبرًا مُوحشًا بغير مُؤْنس؟
قال عمرُ بن عبد العزيز لأبي قِلاَبة وقد وَلي غَسْلَ ابنِه عبدِ الملك: إذا غَسّلته وكَفَّنتَه فآذنِّي قبل أن تُغَطِّي وجهه؛ فَفَعل، فنظر إَليه، وقال: رَحمك اللّه يا بُني وغَفَر لك .
ولما مات محمد بن الحجَّاج جَزع عليه جَزَعًا شديدًا وقال: إذا غسَّلتموه وكَفَّنتُموه فآذنوني ففعلوا فنظر إليه وِقال مُتمثّلًا:
الآن لما كنتَ أكملَ مَنْ مَشى واْفترّ نابُك عن شَباة القارِحِ
وتكاملتْ فيك المُروءة كُلُّها وأعنْتَ ذلكَ بالفعال الصالح
فقيل له: اتّق اللّه واسترجع؛ فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون .
وقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك: كيف تجدك يا بُني؟ قال: أجِدُني في الموت فاحْتَسِبْني، فإنّ ثوابَ اللّه خيرٌ لك منّي؛ قال: واللَّه يا بُني لأن تكون في ميزاني أحبَّ لي أن أكونَ في ميزانك؛ قال: وأنا واللهّ لأن يكون ما تُحبُّ أحبَّ إليّ من أن يكون ما أحِب .
لما احتضر عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله استأذن عليه مَسْلمة بنُ عبد الملك فأذِن له، وأمره أن يُخفِّف الوَقْفة، فلما دخل وقف عند رأسه، فقال: جَزاك اللّه يا أميرَ المؤمنين عنّا خيرًا، فلقد ألنتَ لنا قُلوبًا كانت علينا قاسية، وجعلت لنا في الصالحين ذِكْرًا .
القاسم بن محمد عن عائشة أمّ المؤمنين رضي اللهّ عنها: أنها دخَلَت على أبيها في مرضه الذي مات فيه فقالت له: يا أبَتِ اعهد إلى خاصتك وأنْفذ رأيك في عامّتك واْنقُل من دار جهازك إلى دار مُقامك، وإنك مَحْضُور ومًتَصِل بقلبي لوْعتُك، وأرى تخاذل أطْرافك وانتقاع لَوْنك؛ فإلى اللّه تَعْزيتي عنك، ولديه ثوابُ صَبْري عليك، أَرْقأ فلا أُرْقأ وأشْكُو فلا أُشْكَى .
فرفعِ رأسه فقال:(يا بُنيّة هذا يوم يُحَلّ فيه عن غِطائي، وأعاين جزائي، إنْ فرحًا فدائم، وإنْ تَرَحًا فمُقيم .
إني اضطلعت بإمامة هؤلاء القوم حين كان النكوص إضاعةً والحذر تَفْريطًا فشَهيدي اللّه، ما كان بقلبي إلا إياه، فتَبلَغتُ بصَحْفتهم، وتعلّلتُ بدرّة لقْحَتهم، وأقمت صَلاَي معهم، لا مُخْتالًا أشِرًا ولا مُكابِرًا بَطِرًا، لم أعْدُ سَدَّ الجوْعة وتوْريةَ العَوْرة، طَوًى مُمغص تَهْفُو له الأحْشاء وتَجِب له الأمعاء، واضطررت إلى ذلك اضطرار الجَرِض إلى الماء المَعيف الآجن.
فإذا أنا مِتُّ فردِّي إليهم صَحْفتهم ولَقْحَتهم وعَبْدَهم ورحَاهم ودِثَارة ما فوقي اتقيت بها أذى البرد، ووِثارة ما تحتي اتقيتُ بها أذىَ الأرْض)؛ كان حَشْوهُما قِطَع السَّعف .
ودخل عليه عمر فقال: يا خليفةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كلفتَ القومَ بعدك تَعَبًا، ووَلَّيتهم نَصَبًا؛ فهيهات مِن شقّ غُبَارك؛ فكيف باللحاق بك ؟
الفُضَيل بن عِيَاض قال: ما جَزع أحدٌ من أصحابنا عند الموت ما جزع سُفْيان الثوريّ فقلنا: يا أبا عبد الله ما هذا الجَزَع أليس تَذْهَب إلى من عَبَدْته وفَرَرْت ببدنك [لعلها بدينك] إليه فقال: ويحكم ! إني أسْلُك طريقًا لم أعرفه وأقْدم علِى ربٍّ لِم أره .
وقال صالح المًرِّي: دخلتُ على الحسن وهو في الموت وهو يُكثِر الاسترجاعَ فقال له ابنه: أمثْلك يَسترجع على الدنيا؟! قال: يا بُني ما أسْتَرجع إلا على نفسي التي لم أُصَب بمثلها قَطًّ .
الشَّعبي عن إبراهيم قال: لا يكون البُكاء إلا من فَضْلٍ"قُوة"فإذا اشتد الحُزن ذَهَبَ البكاء .
فلئن بَكَيْناهُ لَحُقّ لنا ولئن تَرَكْنا ذاك للصَّبرِ
فَلِمِثْله جَرَت العُيونُ دمًا ولمثله جَمَدت ولم تَجْرِ
مر الأحنف بامرأة تبكي مَيتًا ورجل ينهاها فقال: دَعْها فإنها تَنْدُب عَهْدًا قريبًا وسَفرًا بعيدًا .
وقال أبو بكر بن عيّاش: نزلت بي مصيبة أوْجعتني فذكرتُ قولَ ذي الرُّمة:
لعل انحدار الدَّمع يُعْقِبُ راحةً من الوَجْد أو يَشْفي شَجِيّ البَلاَبِل
فَخَلوتُ فبكيتُ فسلوتُ .
قال بعضُهم: خرجنا مع زَيْد بن عليّ نُريد الحجَّ فلما بلغنا النِّبَاج وصرنا إلى مقابرها التفتَ إلينا فقال:
لكُلِّ أًناس مَقْبَرٌ بِفنائهم فهم يَنْقُصُون والقُبور تَزيدُ
فما إنْ تَزالُ دارُ حَيٍّ قد اخْرِبَتْ وقَبْرٌ بأَفْنَاءِ البُيوت جديد
هُمُ جِيرَةُ الأحياء أما مَزارُهم فدانٍ؛ وأما المُلتقى فبَعِيد
وقال: مررتُ بيزيد الرَّقاشيّ وهو جالسٌ بين المدينة والمقبرة فقلت له: ما أجْلسك ها هنا؟! قال: أَنْظُر إلى هذين العَسْكرين فعسكرٌ يَقْذِف الأحياء وعسكرٌ يلْتقم الموتى. [هذا الأثر اختصرته بحذف تتمته] .
وكان عليُّ بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا دخل المَقبرة قال: أما المنازل فقد سُكِنت وأما الأموال فقد قُسِّمت وأما الأزواج فقد نُكِحت فهذا خبر ما عندنا فليْتَ شِعْري ما عندكم ثم قال: والذي نفسي بِيده لو أذِن لهم في الكلام لقالوا: إن خير الزَّاد التَّقوى .
وكان عليُّ بن أبي طالب إذا دخل المقبرة قال: السلامُ عليكم يأهل الدِّيار المُوحِشة والمَحالّ المقفرة، من المؤمنين والمُؤمنات اللهم اغفرِ لنا ولهم وتجاوَز بعفوك عنّا وعنهم .
ثم يقول: الحمد لله الذي جعل لنا الأرض كفاتًا أحياءً وأمواتًا؛ والحمد للهّ الذي منها خَلَقنا وجعل إليها مَعَادنا؛ وعليها محشرنا طوبى لمن ذكر المَعاد وعمل الحسنات وقَنع بالكفاف ورَضي عن الله عزّ وجلِّ .
وكان الحَسَن البَصريّ إذا دخل المقبرة قال: اللهم رَبّ هذه الأجساد البالية والعِظامٍ النّخرة التي خَرَجت من الدُّنيا وهي بك مؤمنة أدخِل عليها رَوحًا منك وسَلامًا منَّا .
وكان عليُّ بن الفَضْل إذا دَخل المقبرة يقول: اللهم اجعل وَفَاتهم نجاةً لهم مما يَكْرَهون؛ واجعل حِسابهم زيادة لهم فيما يُحبون .
ولما دُفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أقْبل عبدُ الله بن مَسعود وقد فاتَتْه الصلاةُ عليه فوَقَفَ على قَبره يبكي ويَطْرح رِداءه ثم قال: واللّه لئن فاتَتْني الصلاةُ عليك لا فاتَني حُسْنُ الثّناء؛ أما واللهّ لقد كنتَ سَخيًا بالحقّ، بخيلًا بالباطل، تَرضى حين الرِّضا، وتَسْخَط حين السُّخْط، ما كنتَ عَيابًا ولا مَدِّاحًا؛ فجزاك الله عن الإسلام خَيْرًا .
ووقف عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه على قَبْر خَبّاب فقال: رَحم اللهّ خَبِّابًا لقد أسْلم رَاغِبًا، وجاهد طائعًا، وعاش زاهدًا، وابتُلي في جسمه فَصَبر؛ ولن يُضيِّعَ اللهّ أجرَ من أحسن عملًا .
عبدُ الرحمن بن الحسن عن محمد بن مُصْعَب قال: لما مات داود الطائي تكلَّم ابن السّماك فقال: إنّ داود نظر إلى ما بي يَدَيه من آخرته فأعشى بَصَرُ القَلْب بصرَ العيَنْ فكأنه لم ينْظر إلى ما إليه تَنْظرون، وكأنًكم لم تَنْظروا إلى ما إليه نظر، وأنتم منه تَعْجبون وهو منكم يَعْجَب، فلما رآكم مَفْتُونين مَغرورين قد أذهَلت الدّنيا عًقُولكم وأماتت بحبِّها قُلوبَكم استوحش منكم، فكنتَ إذا نظرتَ إليه حَسِبْتَه حيًّا وسْطَ أمْوات .
يا داود ما أعجب شأنك بين أهل زمانك ! أهَنت نَفْسك وإنما تُريد إكرامَها وأتْعبتها وإنما تُريد راحتها، أخشَنْت المَطعم وإنما تُريد طيبَه، وأخْشَنْت الملبس وإنما تُريد لينه، ثم أمَتَّ نَفْسك قبل أن تموت، وقَبرْتها قبل أن تُقْبَر، وعذَّبتها قبل أن تُعَذَّب؛ سَجَنْت نفسَك في بَيْتك ولا مَحدِّث لها ولا جليس معها، ولا فِرَاش تحتك، ولا ستر على بابك، ولا قُلّة تُبرَّد فيها ماءك، ولا صَحْفة يكون فيها غَداؤُك وعشاؤك .
يا داود [أ] ما تشْتهي من الماء بارده ولا من الطعام طيِّبه، ولا من اللِّباس ليِّنه؟! بلى ولكن زَهِدْت فيه لما بين يَدَيك، فما أصغر ما بذلتَ وما أحقرَ ما تَرَكْتَ في جَنْبِ ما رَغِبْت وأمًلت ! .
لم تقبل من الناس عَطيَّة ولا من الإخوان هدية، فلما مِتّ شَهَرَك رَبًّك بفَضْلك وألبسك رِدَاء عملك؛ فلو رأيت مَنْ حَضرَك؟!
وقف الأحنفُ بن قيسِ على قَبْر أخيه فأنشد:
فوالله لا أنْسى قَتيلًا رُزِئْتُه بجانب قوسىَ ما مَشيت على الأرض
على انها تَعْفُو الكُلومُ وإنما نوَكَّلُ بالأدنى وإن جلَّ ما يَمْضي
ووقف محمد بن الحَنَفية على قبر الحسن بن علي رضي الله عنه فخَنَقَتْه العَبرَة ثم نَطقَ فقال: يَرْحمك الله أبا أحمد؛ فلئن عزّت حَياتُك فلقد هَدَّت وفاتُك؛ ولَنِعْم الرُّوح روح ضَمّه بدَنك؛ ولَنِعْمَ البدن بَدَنٌ ضَمَّه كَفَنُك؛ وكيف لا تكون كذلك وأنت بقيّة ولد الأنبياء وسليل الهُدى وخامِس أصحاب الكِساء، غَذَتْك أكُفّ الحقّ ورُبيت في حِجْر الإسلام، فطِبْت حيًّا وطِبْت مَيِّتًا، وإن كانت أنفسنا غيرَ طيِّبة بفراقك ولا شاكة في الخِيار لك .
ووقَفت عائشة على قبر أبي بَكْر فقالت: نَضَّر الله وَجْهَك وشكرَ لك صالح سَعْيك فقد كًنت للدنيا مُذِلًا بإدبارك عنها، وكنت للآخرة مُعِزًا بإقبالك عليها؛ ولئن كان أجلَّ الحوادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم رُزْؤُك، وأعظم المصائِب بعده فقْدُك، إنَّ كتاب الله لَيعِد بحُسْن الصبر فيك وحُسن العِوَض منك؛ فأنا أتنجّزُ موعد الله بحسن العزاء عليك، وأستعيضه منك بالاستغفار لك؛ فعليك السلامُ ورحمة اللهّ، توديع غير قاليةٍ لك، ولا زارية على القضاء فيك؛ ثم انصرفت .
لما قُبض أبو بكر رضي الله عنه سُجِّي بثَوب فارتَجَّت المدينة بالبُكاء عليه، ودهش القوم كيوم قُبِض رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وجاء عليٌّ ابن أبي طالب باكيًا مُسرعًا مسترجعًا، حتى وَقف بالباب وهو يقول: رَحمك الله أبا بكر، كنت واللهّ أولَ القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانًا، وأشدهم يقينًا، وأعظمهم عناء، وأحفظهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحدبَهم على الإسلام، وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم خُلُقًا وَفَضْلًا وَهَدْيًا وسمتًا؛ فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول اللهّ وعن المُسلمين خيرًا؛ صدّقت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كَذًبه الناس وواسيتَه حين بَخِلوا وقمت معه حين قعدوا سمّاك اللهّ في كتابه صِدِّيقًا فقال: ( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) [الزمر 33] ، يريد محمدًا [صلى الله عليه وسلم] ويُريدك .
كنت واللهّ للإسلام حِصْنًا وعلى الكافرين عَذابًا لم تُفْلَل حُجَّتك ولم تَضْعُف بصيرتُك ولم تَجْبُن نفسك .
كنت كالجبلِ لا تُحَرِّكه العواصف ولا تُزيله القَواصف كنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضعيفاَ في بدنك قويًّا في أمر الله، متواضعًا في نَفْسك عَظيمًا عند اللهّ، قليلًا في الأرض كثيرًا عند المؤمنين؛ لم يَكن لأحد عِنْدك مَطْمَع ولا لأحدٍ عندك هَوَادة فالقويُّ عندك ضعيف حتى تأخذَ الحقّ منه، والضعيفُ عندك قويٌّ حتى تأخذ الحقّ له؛ فلا حَرَمنا الله أجرَك ولا أضَلنا بعدك .
لما هلك الإسْكندر قامت الخُطباء على رأسه فكان من قولهم: الإسكندر كان أمس أنطقَ منه اليوم، وهو اليوم أوعظُ منه أمس .
أخذ هذا المعنى أبو العتاهية فقال عند دَفْنه ولدًا له:
كَفي حَزَنًا بِدَفْنِك ثم أني نفضتُ تُرَاب قَبْرك من يَديا
وكنتَ وفي حياتك لي عِظاتٌ فأنتَ اليومَ أوعظُ منك حيّا
وَقف أبو ذرّ الهَمْداني على قبر ابنه ذرّ فقال: يا ذَرّ شغلني الحزن لك عن الحزْن عليك؛ فليت شِعْري ما قُلتَ وما قيل لك؟؛ ثم قال: اللهم إنّي قد وهبتُ لك إساءته إلي فَهَبْ له إساءته إليك .
فلما انصرف عنه التفتَ إلى قبره فقال: يا ذرّ قد انصرفنا وتَرَكْناك؛ ولو أقمنا ما نَفعناك . [هذا الأثر مذكور في متن بعض فصول الكتاب؛ وارتضيت تكراره لبلاغته وحكمته] .
وقف محمد بن سُليمان على قبر ابنه فقال: اللهم إني أرجوك له وأخافك عليه، فحقق رجائي وآمِنْ خوفي .
وَقفت أعرابيّة على قبر أبيها فقالت: يا أبتِ إنَّ في اللهّ تبارك وتعالى من فَقْدِك عِوَضًا وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم من مُصيبتك أسْوة؛ ثم قالت: اللهمٍ نَزل بك عبدُك مُقْفِرًا من الزاد مخشَوْشِن المِهاد غَنِيًّا عما في أيدي العباد فقيرًا إلى ما في يَدَيك يا جواد، وأنت أي ربّ خيرُ من نزل به المؤًمِّلون واْسْتَغْنى بفَضْلِهِ المقِلًّون وولَجَ في سَعة رَحْمَته المُذْنبون .؛ اللهم فَليكن قِرَى عبدك منك رحمتَك ومِهادُه جنّتك؛ ثم انصرفت .
قال عبد الرحمن بن عمر: دخلْتُ على امرأة من نجد بأعلى على الأرض في خِباءٍ لها وبين يَدَيْها بُنَيّ لها قد نزلَ به الموتُ فقامتْ إليه فأَغْمضَته وعَصَبته وَسَجَّته وقالت: يابن أخي، قلتُ: ما تشائين؟ قالت: ما أَحَقَّ مَنْ أُلْبِسَ النِّعمةَ وأطِيلَت به النَظِرةُ أن لا يدعَ التوثّق من نَفْسه، قبل حل عُقْدته والحُلول بعَقْوَته والمحالة بينه وبين نَفْسه .
قال: وما يَقطر من عينها دمعة صبرًا واحتسابًا ؛ ثم نظرت إليه فقالت: واللهّ ما كان مالُه لبَطنه، ولا أمره لعِرْسه؛ ثم أنشدت:
رَحِيبُ ذِرَاعٍ بالتي لا تشينه وإن كانت الفَحْشاء ضاق بها ذَرْعا
وَقفَ عمرُ بن عبد العزيزِ على قبر ابنه عبد الملك فقال: رَحمك الله يا بُنيّ فلقد كنت سارًّا مولودًا بارًّا ناشئًا؛ وما أَحْسِب أنّي لو دعوتُك أَجبْتني .
سمع الحسنُ جارية واقفة على قبر أبيِها وهي تقول: يا أبتِ مثلَ يومك لم أَرَه؛ قال: الذي والله لم يرَ مثلَ يومه أبوك .
وسمع عمر بن عبد العزيز خَصِيًّا للوليد بن عبد الملك واقفًا على قبر الوليد وهو يقول: يا مولاي ماذا لَقِينا بعدك فقال له عمر: أما واللّه لو أُذِن له في الكلام لأخبر أنه لَقي بعدكم أكثرَ مما لَقيتم بعده .
أبو عمر بن يزيد قال: لما مات أخو مالك بن دِينار بكى مالك، وقال: يا أخي لا تَقَرُّ عيْني بعدك حتى أعْلم أفي الجنِّة أنت أم في النَّار؛ ولا أعلم ذلك حتى ألحق بك .