فهرس الكتاب
التعزية (1)
(1) هذا فصل بديع في التعزية انتقيت جواهره ودرره من (العقد الفريد) لابن عبد ربه الأندلسي:
قال عبد الرحمن بن أبي بكر لسليمان بن عبد الملك يُعزِّيه في ابنه أيوب، وكان وليَّ عهده وأكبر ولده: يا أمير المؤمنين إنه من طال عمره فَقَدَ أحبَّتَهُ؛ ومن قَصر عُمره كانت مُصيبته في نفسه ؛ فلو لم يكن في مِيزانك لكُنْتَ في ميزانه .
وكَتَب الحسنُ بن أبي الحسن إلى عُمَر بن عبد العزيز يُعزِّيه في ابنه عبد الملك: وعوِّضْتَ أَجْرًا مِنْ فَقِيدٍ، فَلاَ يَكُنْ فَقِيدُكَ لا يَأتي وأَجْركَ يَذْهَبُ.
العُتْبىِ قال: قال عبدُ الله بن الأهْتَم: مات لي ابن وأنا بمكة فجزِعْتُ عليه جَزَعًا شديداَ فَدَخَل عليَّ ابن جُرَيجٍ يُعَزِّيني فقال لي: يا أبا محمد اسْلُ صَبرًا واحْتِسابًا قبْلَ أن تَسْلُو غفلة ونسْيانًا كما تَسْلو البهائم .
وهذا الكِلامُ لعليّ ابن أبي طالب كرّم الله وجهَه يُعزِّي به الأشْعَتَ بن قيْس في ابن له، ومنه أخذه ابن جُرَيْج .
وقد ذكَرَه حبيب [أبو تمام الطائي] في شعره فقال:
وقال عليّ في التعازي لأشْعَثٍ وخاف عليه بعضَ تلك المآثِم
أتَصْبِرُ لِلْبلْوَى عَزَاءً وحِسْبَةً فَتُؤْجَرَ أَمْ تَسْلُو سًلُوَّ البهائم
أتى عليُّ أبي طالب كَرَّم الله وجهه لأشْعَث يُعَزِّيه عن ابنه فقال: إن تَحْزَنْ فقد استحقَّتْ ذلك مِنك الرّحم، وإن تَصْبر فإن في الله خَلَفًا من كلِّ هالك؛ مع أنّك إن صَبَرت جرَى عليك القَدَر، وأنت مَأجُور؛ وإن جَزِعْت جَرَى عليك القَدَر وأنت آثِم .
وعزَّى ابن السمَّاك رجلًا فقال: عليك بالصَّبْر فبه يَعْمل من احتَسَب، وإليه يَصير مَن جزع؛ واعلم أنه ليست مُصيبة إلا ومعها أعظمُ منها من طاعة الله فيها أو مَعْصيته بها .
الأصمعيّ قال: عزّى صالحٌ المُرِّي رجلًا بابنه فقال له: إنْ كانت مُصيبتك لم تُحْدِث لك مَوْعظةً فمُصِيبتك، بنَفْسك أعظمُ من مُصيبتك بابنك؛ واعلم أنّ التَّهْنِئَة على آجِل الثَّوَاب أولَى من التَّعزِية على عاجل المصيبة .
العُتْبىّ قال: عزّى أبي رجلًا فقال: إنما يَسْتوجب على اللهّ وَعْده من صبر لحقه، فلا تجْمَع إلى ما فُجِعت به الفَجيعةَ بالأجر، فإنها أعظمُ المصيبتن عليك؛ ولكلّ اجتماعٍ فُرْقة إلى دار الحُلولِ .
عزّى عبدُ الله بن عبَّاس عمر بن الخطّاب رضى الله تعالى عنه في بُني له صَغير فقال: عوَّضك الله منه ما عوّضه الله منك . [قلت: يعني الجنة] .
وكان عليُّ بن أبي طالب رضى الله عنه إذا عزَّى قومًا قال: عليكم بالصَّبر، فإنّ به يأخُذ الحازم، وإليه يَرْجع الجازع .
وكان الحسنُ يقول في المُصيبة: الحمدُ لله الذي آجَرَنا على ما لو كلَّفنا غيرَه لعَجَزْنا عنه .
محمد بن الفَضل عن أبي حازم قال: مات عُقْبة بن عِيَاض بن غَنْم الفِهْريّ فعزَّى رجلٌ أباه فقال: لا تَجْزع عليه فقد قُتِل شهيدًا فقال: وكيف أجزع على من كان في حَيَاته زينةَ الدُّنيا وهو اليومَ من الباقيَات الصَّالحات .
وعَزَّى أعرابيَ رجلًا فقال: أوصيك بالرِّضا من الله بقَضائه؛ والتنجًّز لما وعد به من ثوابه؛ فإنَ الدُّنيا دار زوال؛ ولا بد من لقاء اللهّ .
وَعزَّى [أعرابي] أيضًا رجلًا فقال: إنّ من كان لك في الآخرة أجرًا خيرٌ لك ممن كان لك في الدُّنيا سرُورًا .
[وقال بعضهم] : التمس ما وَعد الله من ثَوَابه بالتّسليم لقضائِه والانتهاء إلى أمره فإن ما فات غير مُسْتَدْرَك .
وعزى موسى المَهْدِيّ إبراهيمَ بن سَلْم على ابن له مات فَجَزع عليه جزعًا شديدًا فقال له: أَيسرُّك وهو بلية وفِتْنَة ويَحْزُنك وهو صَلَوات ورحمة؟!
وعَزَى رجلٌ بابن له فقال له: ذَهب أبوك وهو أصلُك وذَهب ابنك وهو فَرْعُك؛ فما بَقَاء مَن ذهب أصلُه وفرعه؟!
العُتْبى قال: عَزّى أكثَم بن صَيْفيّ عمرو بنَ هِنْد ملكَ العرب على أخيه فقال له: أيها الملك إنّ أهلَ الدار سَفْرٌ لا يَحُلّون عُقَد الرحال إلا في غَيْرها؛ وقد أتاك ما ليس بمردود عنك؛ وارتحل عنك ما ليس براجع إليك؛ وأقام معك مَن سَيَظْعن عنك ويَدَعك .
واعلم أنّ الدُنيا ثلاثة أيام: فأمس عِظَة وشاهدُ عَدْل فَجَعَك بِنفْسه وأبْقَى لك عليه حُكْمَك؛ واليوم غَنيمة وصَدَيق أتاك ولم تَأته، طالت عليك غَيْبَتُه وستُسْرع عنك رِحْلته؛ وغَد لا تَدري من أهلُه؛ وسيأتيك إنْ وَجَدك .
فما أحسَن الشُّكر للمُنْعم والتسليمَ للقادر ! وقد مَضت لنا أصولٌ نحن فُروِعها فما بَقَاء الفُروع بعد أصُولها ! واعلم أنّ أعظم من المُصيبة سوءُ الخَلف منها وخيرٌ من الخير مُعْطيه؛ وشرٌ من الشرّ فاعله .
عَزى شَبيبُ بن شَيْبَة المنصورَ على أخيه أبي العبّاس فقال: جَعل الله ثوابَ ما رُزِئت به لك أَجرًا وأعْقَبك عليه صبرا وخَتَم لك ذلك بعافية تامّة ونعْمة عامّة؛ فثوابُ الله خير لك منه وما عند الله خير له منك وأحقُّ ما صُبر عليه ما ليس إلى تَغْييره سبيل .
وكتب إبراهيم بن إسحاق إلى بعض الخُلَفاء يُعَزِّيه: إنّ أحَقَّ مَن عَرف حقَ اللهّ فيما أَخَذ منه مَن عَرف نِعْمَته فيما أبقَى عليه .
يا أميرَ المؤمنين إِنّ الماضيَ قبلك هو الباقي لك، والباقيَ بعدك هو المأجور فيك؛ وإِنّ النِّعمة على الصابرين فيما ابتُلوا به أعظمُ منها عليهم فيما يُعَافَوْنَ منه .
دخل عبدُ الملك بن صالح دار الرّشيد فقال له الحاجبُ: إن أمير المؤمنين قد أصِيب بابن له ووُلد له آخر ؛ فلما دخل عليه قال: سرَّك الله يا أمير المؤمنين فيما ساءَك؛ ولا ساءَك فيما سرّك؛ وجَعل هذه بهذه، مَثُوبةً على الصبر، وجزاءً على الشكر .
ودخل المأمونُ عَلَى أم الفَضْل بن سَهل يُعَزِّيها بابنها الفَضْل بن سهل فقال: يا أُمّه إنك لم تَفْقِدِي إلا رؤيته، وأنا ولدُك مكانَه؛ فقالت: يا أمير المؤمنين إنّ رجلًا أفادني ولدًا مثلك لَجَديرٌ أن أَجْزع عليه .
لما مات عبدُ الملك بن عمر بن عبد العزيز كتب عمر إلى عُمّاله: إِنَّ عبد الملك كان عبدًا من عَبيد اللهّ أَحْسَنَ الله إليه، وإليّ فيه؛ أعاشه ما شاء، وقَبَضَه حين شاء؛ وكان - ما علمتُ من صالِحِي شباب أَهْل بَيْته، قراءةً للقرآن وتَحَرِّيًا للخير؛ وأعوذ باللّه أن تكون لي مَحَبّة أخالف فيها محبة اللّه فإن ذلك لا يَحْسُن في إحسانه إليّ وتتابُع نعمه عليّ؛ ولا أعلمنّ ما بكت عليه باكية ولا ناحت عليه نائحة؛ قد نَهينا أهلَه الذين هم أحقُّ بالبكاء عليه .
دخل زيادُ بن عثمان بن زياد على سُليمان بن عبد الملك وقد تُوفي ابنه أيُّوب فقال: يا أميرَ المؤمنين إنّ عبدَ الرحمن ابن أبي بكر كان يقول: من أَحبّ البقاء - ولا بقاء - فَلْيُوَطِّن نفسه على المصائب .
عزّى محمدُ بن الوليد بن عتبة عُمَر بن عبد العزيز على ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين أعِدّ لما تَرَى عُدَّةً تكنِ لك جُنّة من الحُزن وسِتْرًا من النار .
فقال عمر: هل رأيتَ حُزْنًا يُحْتَجّ به أو غَفْلة يُنبّه عليها؟ قال: يا أميرَ المؤمنين لو أن رجلًا ترَك تعْزية رجل لِعِلْمِه وانتباهه لكُنَتَه؛ ولكن الله قضى أن الذِّكرى تنفع المؤمنين .
وتُوُفِّيَت أخْتٌ لعمر بن عبد العزيز فلما فرغ من دَفْنها دَنا إليه رجل فعزَّاه، فلم يَرُدَّ عليه شيئًا؛ ثم دنا إليه آخرُ فعزَّاه، فلم يرُدَّ عليه شيئًا؛ فلما رأى الناسُ ذلك أمسكوا عنه ومَشَوْا معه .
فلما بلغ البابَ أقبل على الناس بوجهه وقال: أدركتُ الناس وهم لا يُعَزون بامرأة إلا أن تكون أًمًّا؛ انقلبوا رحمكم اللهّ .
وقال بعض الحُكماء لسُليمان بن عبد الملك لما أصِيب بابنه أيّوب: يا أميرَ المؤمنين إنّ مثلَك لا يُوعَظ إلا بدون عِلْمه؛ فإن رأَيتَ أن تُقَدِّم ما أخَّرَت العَجَزة من حُسن العَزاء والصَّبر على المُصيبة فتُرضي ربَّك وتُرِيح بدنَك فافعل .
وكتب الحسنُ إلى عمر بن عبد العزيز يعزِّيه في ابنه عبد الملك ببيت شعر وهو:
وعُوِّضْتُ أَجْرًا مِن فَقيد فلا يكُن فَقِيدُك لا يَأتي وأَجْرُك يَذْهَبُ
ولما حَضرت الإسكندرَ الوفاةُ كَتب إلى أمِّه: أن اصنَعي طعامًا يحضُره الناسُ؛ ثم تَقدّمي إليهم أن لا يَأكل منه مَحْزون ففَعلت .
فلم يبْسُط إليه أحدٌ يده فقالت: ما لكم لا تَأكلون فقالوا: إنك تقَدّمت إلينا أن لا يأكلَ منه مَحْزون وليس منَّا إلا من قد أصيب بِحَميم أو قرِيب فقالت: مات واللّه ابني وما أَوْصى إِليّ بهذا إلا ليُعَزِّينَى به .
وكان سهل بن هارون يقول في تَعْزِيته: إن التَهْنِئَة بآجل الثَوَاب أوجبُ من التَّعزية على عاجل [المصيبة] .