فهرس الكتاب
قال أبو حازم: مثل العالم والجاهل مثل البنّاء والرقّاص (1) تجد البنّاء على الشاهق والقصرِ، معه حديدتُه، جالسًا، والرقاص يحمل اللبن والطين على عاتقه على خشبة تحته مهواة لو زل ذهبت نفسه (2) ، ثم يتكلف الصعود بها على هولِ ما تحته حتى يأتي بها إلى البناء، فلا يزيد البناء على أن يُعدلها بحديدته وبرأيه وبتقديره، فإذا سلما أخذ البناء تسعةَ أعشار الأجرة وأخذ الرقاص عشرًا، وإنْ هلك ذهبت نفسه، فكذا العالم يأخذ أضعاف الأجر بعلمه. (3/245)
عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله ولا ما عنده؛ قال: فما زال بهم العلم حتى أرادوا به الله وما عنده. (سنن الدارمي 1/116)
بيان أن العلم لا ينفع حتى يعمل به حامله (3)
(1) أي عامل البناء، والرقص في اللغة: الارتفاع والانخفاض.
(2) أي مات.
(3) مما ينبغي التنبه له أن العلم قد يطلب في كثير من الأحيان لمقاصد دنيوية، وقد يطلب لكونه مما تهواه الأنفس لمقاصد نفسية ومطالب غير شرعية، وكل ذلك يصحبه تلبيس خطير من ابليس لعنه الله فتخفى حقيقة الحال على ذلك الطالب في الغالب؛ وأيضًا التوسع في طلب العلم يشغل كثيرًا من الطلاب عن العمل به وقد حذر الله تعالى ثم رسوله ثم السلف والعلماء من هذه الأمراض والعيوب تحذيرًا شديدًا صريحًا مؤكدًا؛ فلا بد من أن يحذر طلبة العلم ولا سيما علم الحديث من تلبيس الشيطان عليهم بالغرور أو بترك العمل أو بغير ذلك.
قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (1/204-205) :(قال الخريبي: سمعت الثوري يقول: ليس شيء أنفع للناس من الحديث؛ وقال أبو أسامة: سمعت سفيان يقول: ليس طلب الحديث من عدة الموت لكنه علة يتشاغل بها الرجل؛ قلت [القائل هو الذهبي] : صدق والله؛ إن طلب الحديث [شيء غير] الحديث؛ فطلب الحديث اسم عرفي لأمور زائدة على تحصيل ماهية الحديث؛ وكثير منها مراق إلى العلم؛ وأكثرها أمور يشغف بها المحدث، من تحصيل النسخ المليحة، وتطلُّب الإسناد العالي، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء، وتمني العمر الطويل ليروي، وحب التفرد؛ إلى أمور عديدة لازمة للأغراض النفسانية لا الأعمال الربانية.
فإذا كان طلبك الحديث النبوي محفوفًا بهذه الآفات فمتى خلاصك منها إلى الإخلاص؟!
وإذا كان علم الآثار مدخولًا فما ظنك بعلم المنطق والجدل وحكمة الأوائل [يعني الفلسفة] التي تسلب الإيمان وتورث الشكوك والحيرة التي لم تكن واللهِ من علم الصحابة ولا التابعين، ولا من علم الأوزاعي والثوري ومالك وأبي حنيفة وابن أبي ذئب وشعبة؛ ولا والله عرفها ابن المبارك ولا أبو يوسف القائل: من طلب الدين بالكلام تزندق، ولا وكيع ولا ابن مهدي ولا ابن وهْب ولا الشافعي ولا عفان ولا أبو عبيد ولا ابن المديني وأحمد وأبو ثور والمزني والبخاري والأثرم ومسلم والنسائي وابن خزيمة وابن سريج وابن المنذر وأمثاله؛ بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه والنحو وشبه ذلك.
نعم، وقال سفيان أيضًا فيما سمعه منه الفريابي: ما من عمل أفضل من طلب الحديث إذا صحت النية فيه) ؛ انتهى.
ونقله الزركشي في (النكت على مقدمة ابن الصلاح) (3/637-638) :
وروى الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السمع) (1/77-78) منتقدًا كثيرًا من المنتسبين إلى هذا العلم الشريف من أهل عصره وغيرهم ممن جاءوا بعد العصور الخيرية الفاضلة: (وهم مع قلة كتبهم له وعدم معرفتهم به أعظم الناس كبرًا وأشد الخلق تيهًا وعجبًا لا يراعون لشيخ حرمة ولا يوجبون لطالب ذمة، يخرقون بالراوين ويعنفون على المتعلمين، خلاف ما يقتضيه العلم الذي سمعوه، وضد الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه؛ وقد وصف أمثالهم بعض السلف)
ثم روى في ذلك المعنى عن عمرو بن الحارث وحماد بن سلمة كلامًا لهما.
ثم قال الخطيب: (والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا وأشد الخلق تواضعًا وأعظمهم نزاهة وتدينًا وأقلهم طيشًا وغضبًا، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآدابه، وسيرة السلف الأخيار من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين ومآثر الماضين، فيأخذوا بأجملها وأحسنها ويصدفوا عن أرذلها وأدونها) .
ثم روى عن أبي عاصم أنه قال: (من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا فيجب أن يكون خير الناس) .
وروى (1/79) عن سفيان بن عينية أنه كان يقول: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خلقه وسيرته وهديه؛ فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل) .
وروى (1/80) عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: (قال لي أبي: يا بني ايت الفقهاء والعلماء وتعلم منهم وخذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم؛ فإن ذاك أحب إلي لك من كثير من الحديث) .
وعن ابن المبارك قال: (قال لي مخلد بن الحسين نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث) .
وعن محمد بن نعيم الضبي قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: (علم بلا أدب كنار بلا حطب؛ وأدب بلا علم كروح بلا جسم) .
قال الخطيب: (وإنما شبهت العلم بالنار، لما روينا عن سفيان بن عيينة أنه قال: ما وجدت للعلم شبهًا إلا النار نقتبس منها ولا ننتقص عنها) .
قلت: إن ما تقدم لا يختص به علم الحديث وحده، بل هو شأن العلوم الشرعية الأخرى، كالفقه والتفسير ولغة الوحيين ونحو ذلك من العلوم التي يكون الأصل فيها أن يبتغى بها وجه الله تعالى.
وقد تكلم الخطيب في (الجامع) أيضًا على مسألة النية في الطلب فقال (1/80-81) : يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه ويكون قصده بذلك وجه الله سبحانه.
ثم روى عن وكيع قال: (سمعت سفيان يقول: ما شيء أخوف عندي منه يعني الحديث وما من شيء يعدله لمن أراد الله به) ؛ وقد تقدم هذا الأثر.
ثم روى (1/83) عن عبد العزيز بن أبي رزمة قال: (أتينا إسرائيل مع نفر من أهل خراسان فسألَنا؛ قلنا: نحن من أهل مرو؛ فقال: مرو أم خراسان، فإن استطعتم أن لا يكون أحد أسعد بما سمعتم منكم، فافعلوا؛ من طلب هذا العلم لله تعالى شرف وسعد في الدنيا والآخرة؛ ومن لم يطلبه لله خسر الدنيا والاخرة) .
ثم قال الخطيب (1/83) : (وليحذر أن يجعله سبيلًا إلى نيل الأعراض [لعلها الأغراض] ، وطريقًا إلى أخذ الأعواض؛ فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه) .
ثم روى (1/84) عن إسحاق بن عيسى بن الطباع قال: قال حماد بن سلمة: (من طلب الحديث لغير الله مكر به) .
ثم روى (1/85) عن ابن المبارك قال: (قيل لسفيان: من الناس؟ قال: العلماء، قيل: فمن السفلة؟ قال: الظلمة، قيل: فمن الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الحديث يأكلون به [أموال] الناس، قيل: فمن الملوك؟ قال: الزهاد) .
قال الخطيب: (وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده في طلب الحديث نيل الرئاسة واتخاذ الاتباع وعقد المجالس، فإنَّ الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه) .
ثم قال (1/87) : (وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب وعالم كالجاهل وحامل للحديث ليس معه منه شيء؛ إذ كان في اطِّراحه لحكْمه [يعني عدم العمل به] بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه) .
ثم روى (1/88) عن عبد الله بن المبارك قال: (من طلب الحديث وكتب ليُكتبَ عنه فلا يجد رائحة الجنة) .
ثم روى (1/90) عن سفيان بن عيينة أنه قال: (إنما منزلة الذي يطلب العلم ينتفع به بمنزلة العبد يطلب كل شيء يرضي سيده، يطلب التحبب إليه، والتقرب إليه، والمنزلة عنده، لئلا يجد عنده شيئًا يكرهه) ؛ وأنه قال: (إن أنا عملت بما أعلم فأنا أعلم الناس؛ وإن لم أعمل بما أعلم فليس في الدنيا أحد أجهل مني) .
وروى (1/90) عن عبد الله بن المبارك عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان قال: قال أبو الدرداء: (من عمل بعشر ما يعلم علمه الله ما يجهل) .