فهرس الكتاب
قال سفيان: حدثني رجل من أهل الكوفة قال: سئل عامر، يعني الشعبي، لما حضرته الوفاة بمن تأمرنا؟ قال: ما أنا بعالم ولا أترك عالمًا، وإن أبا حصين [الأسدي] رجل صالح (1) . (تهذيب الكمال 19/406)
قال سفيان: كنت أسمع الزهري يقول: حدثني فلان وكان من أوعية العلم، ولا يقول: كان عالمًا (2) . (3/363)
قال الحسن: الإيمان إيمان من خشي الله عز وجل بالغيب ورغب فيما رغب الله فيه وترك ما يسخط الله ثم تلا الحسن لذلك (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (3) . (الزهد ص271-272)
قالَ مسروقٌ: كفَى بالمرءِ علمًا أنْ يخشَى اللهَ وكفَى بالمرءِ جهلًا أنْ يُعْجَبَ بعلمِه (4)
(1) قال مالك بن مغول: قيل للشعبي: أيها العالم، قال: ما أنا بعالم ولا أخلف عالمًا وإن أبا حصين رجل صالح. (تهذيب الكمال 19/406)
(2) فهو يفرق بين من جمع علمًا كثيرًا ومن هو مستحق لاسم العالم وهو العالم بالله تعالى وشرعه، العامل بعلمه؛ فلا يلزم أن يكون كل صاحب علمٍ عالمًا من ورثة الأنبياء.
(3) فاطر (28) .
(4) قال ابن القيم في (الفوائد) (ص144) : (لا ينتفع بنعمة الله بالإيمان والعلم إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها ولم يتجاوزه إلى ما ليس له ولم يتعد طوره ولم يقل هذا لي، وتيقن أنه لله ومن الله وبالله؛ فهو المانُّ به ابتداء وإدامة بلا سبب من العبد ولا استحقاق منه، فتذله نعم الله عليه وتكسره كسرة من لا يرى لنفسه ولا فيها خيرًا ألبتة، وأن الخير الذي وصل إليه فهو لله وبه ومنه، فتحدث له النعم ذلًا وانكسارًا عجيبًا لا يعبر عنه .
فكلما جدد له نعمة ازداد له ذلًا وانكسارًا وخشوعًا ومحبة وخوفًا ورجاء، وهذا نتيجة علمين شريفين:
علمه بربه وكماله وبره وغناه [وجوده] وإحسانه ورحمته، وأن الخير كله في يديه وهو ملكه يؤتي منه من يشاء ويمنع منه من يشاء، وله الحمد على هذا وهذا، أكملَ حمد وأتمه .
وعلمه بنفسه ووقوفه على حدها وقدرها ونقصها وظلمها وجهلها، وأنها لا خير فيها ألبتة، ولا لها، ولا بها، ولا منها، وأنها ليس لها من ذاتها إلا العدم؛ فكذلك من صفاتها وكمالها ليس لها إلا العدم الذي لا شيء أحقر منه ولا أنقص، فما فيها من الخير تابع لوجودها الذي ليس إليها [في بعض النسخ لها] ، ولا بها .
فإذا صار هذان العلمان صبغة لها لا صيغة على لسانها علمتْ حينئذ أن الحمد كله لله والأمر كله له والخير كله في يديه، وأنه هو المستحق للحمد والثناء والمدح دونها، وأنها هي أولى بالذم والعيب واللوم .
ومن فاته التحقق بهذين العلمين تلونت به أقواله وأعماله وأحواله وتخبطت عليه ولم يهتد إلى الصراط المستقيم الموصل له إلى الله ؛ فإيصال العبد بتحقيق هاتين المعرفتين علمًا وحالًا، وانقطاعه بفواتهما ؛ وهذا معنى قولهم: (من عرف نفسه عرف ربه) ، فإنه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذل والمسكنة والعدم، عرف ربه بضد ذلك، فوقف بنفسه عند قدرها ولم يتعد بها طورها، وأثنى على ربه ببعض ما هو أهله، وانصرفت قوة حبه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده، وكان أحب شيء إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له، وهذا هو حقيقة العبودية، والله المستعان .
ويحكى أن بعض الحكماء كتب على باب بيته: إنه لن ينتفع بحكمتنا إلا من عرف نفسه ووقف بها عند قدرها، فمن كان كذلك فليدخل، وإلا فليرجع حتى يكون بهذه الصفة ).
وقال في موضع آخر من (الفوائد) أيضًا (ص161-162) [طبعة مكتبة الإيمان بمصر] : (من علامات السعادة والفلاح أن العبد:
كلما زيد في علمه زيد في تواضعه ورحمته.
وكلما زيد في عمله زيد في خوفه وحذره.
وكلما زيد في عمره نقص من حرصه .
وكلما زيد في ماله زيد في سخائه وبذله.
وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في قربه من الناس وقضاء حوائجهم والتواضع لهم .
وعلامات الشقاوة أنه:
كلما زيد في علمه زيد في كبْره وتيهه.
وكلما زيد في عمله زيد في فخره واحتقاره للناس وحسن ظنه بنفسه.
وكلما زيد في عمره زيد في حرصه.
وكلما زيد في ماله زيد في بخله وإمساكه.
وكلما زيد في قدره وجاهه زيد في كبره وتيهه.
وهذه الأمور ابتلاء من الله وامتحان يبتلي بها عباده فيسعد بها أقوام ويشقى بها أقوام .
وكذلك الكرامات امتحان وابتلاء، كالملْك والسلطان والمال؛ قال تعالى عن نبيه سليمان لما رأى عرش بلقيس عنده: (هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر) [سورة النمل 40] فالنعم ابتلاء من الله وامتحان يظهر بها شكر الشكور وكفر الكفور؛ كما أن المحن بلوى منه سبحانه، فهو يبتلي بالنعم كما يبتلي بالمصائب، قال تعالى: ( فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن، وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن كلا . . . .) [ الفجر 15- 17] ؛ أي ليس كل من وسعت عليه وأكرمته ونعمته يكون ذلك إكرامًا مني له، ولا كل من ضيقت عليه رزقه وابتليته يكون ذلك إهانة مني له ).
وقال في موضع ثالث من (الفوائد) :
(أعلى الهمم في طلب العلم: طلب علم الكتاب والسنة والفهم عن الله ورسوله نفس المراد وعلم حدود المنزل.
وأخس همم طلاب العلم [همة من] قصر همته علي تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل ولا هو واقع، أو كانت همته معرفة الاختلاف وتتبع أقوال الناس، وليس له همة إلى معرفة الصحيح من تلك الأقوال؛ وقل أن ينتفع واحد من هؤلاء بعلمه.
وأعلى الهمم في باب الإرادة: أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله والوقوف مع مراده الديني الأمري.
وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله؛ فهو إنما يعبده لمراده منه لا، لمراد الله منه؛ فالأول يريد الله، ويريد مراده؛ والثاني يريد من الله، وهو فارغ عن إرادته).