الصفحة 297 من 603

طلب العلم (1) : شروطه وآدابه (2)

(1) قال ابن الجوزي في (صيد الخاطر) : (من أنفق عصر الشباب في العلم، فإنه في زمن الشيخوخة يحمد جني ما غرس، ويلتذ بتصنيف ما جمع، ولا يرى ما يفقد من لذات البدن شيئًا بالإضافة إلى ما يناله من لذات العلم) .

(2) أول ما ينبغي أن يعلمه طالب العلم فيعمل بمقتضاه، هو أنه لا بد أن يكون طلبه للعلم خالصًا لوجه الله؛ وأن تكون غايته معرفة الحق والعمل بمقتضى تلك المعرفة.

وليعلم بعد ذلك أن العلم قد يكون يوم القيامة حجة على المرء لا حجة له، وأن من أول من تسعر بهم النار القارئ أو العالم الذي طلب العلم ليذْكرَ به بين الناس، كما دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وليعلم بعد ذلك أن بعض العلم أنفع من بعض، فليتحر الأنفع، وليستعن في تمييز ذلك بمن يثق به من صالحي أهل العلم، إن تيسر له لقياهم أو الاتصال بهم؛ وما أقلهم في هذا الزمان.

وليعلم بعد ذلك أن العلوم كثيرة جدًا ومتشعبة غايةً، وأن العمر أقصر وأنفس من أن ينقضي بالطلب وحده، وهو أقصر من الإحاطة بكل العلوم، هذا مع عجز الإنسان وضعفه، ومع كثرة العوائق في طريق الطلب؛ ولذا كان لا بد من الاقتصار على القدر الأنسب والأنفع.

وإذا قلنا: العلم صعب، فليس المراد بذلك العلم الأساس الذي يحتاجه كل المسلمين سواء في أبواب الإيمان أو الفقه أو غيرهما، فذلك مما يسره الله تعالى تحصيله لأكثر المسلمين، في كل زمان ومكان، ولكنهم من أنفسهم وتقصيرهم يؤتون.

بل الصعب من العلم جمعه وتحصيله والتوسع فيه والانقطاع إليه من أجل أن يرتقي الطالب بإذن الله إلى مراتب العلماء، أعني علماء عصره؛ وأما إدراك السابقين، فبعيد مناله، إن لم يكن مستحيلًا؛ ولكن لا يصح أن ييأس المؤمن من عظيم فضل الله أحد.

ولا تظن أن بعض العلم صعب دون سائر العلوم؛ بل العلم كله متاعب ومصاعب، بكل فروعه وأنواعه، فهو وعر المرتقى عالي الذروة، فروعه عديدة وأصوله بعيدة، فمن طلبه فليعلم هذه الحقيقة وليقدم أو يحجم بحسب ما يعلم من نفسه؛ وما التوفيق إلا ممن له الخلق والأمر وبيده الخير وهو على كل شيء قدير.

ولقد أجهد العلماء أنفسهم غاية الإجهاد فبلغوا بتوفيق الله المراد، لمن شاء الله منهم أن يبلغ مراده؛ وأخبار اجتهادهم في الطلب وصبرهم في سبيل تحصيل العلم ومجازفاتهم في رحلاتهم كثيرة شهيرة خطيرة مثيرة، ولو جمعت في كتاب لكان من أحسن كتب التاريخ والقصص.

أخرج الرامهرمزي في (المحدث الفاصل) (ص202) والخطيب في (الجامع) (1/150) عن ابن الأصبهاني قال: (قيل لشريك: ما بال حديثك منتقى؟ قال: لأني تركت العصائد بالغدوات) .

ثم أخرج عقبه عن يحيى بن أبي كثير ما تقدم في متن الكتاب من قوله: (لا يدرك العلم بالراحة) .

وأخرج الرامهرمزي (ص202) عن حرملة قال: سمعت الشافعي يقول: (لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتملك وغنى النفس فيفلح؛ ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش وخدمة العلم أفلح) .

وأخرج الرامهرمزي (ص203) عن شيخه الساجي قال: حدثنا الربيع أو حدثت عنه قال: (كان الشافعي يجزئ الليل ثلاثة أثلاث، الثلث الأول يكتب، والثاني يصلي، والأخير ينام) .

وأخرج الخطيب في الجامع (2/174) عن أبي يوسف قال: (العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك؛ وأنت، إذا أعطيته كلك، من إعطائه البعض على غرر) .

وعن أبي أحمد نصر بن أحمد العياضي الفقيه السمرقندي قال: (لا ينال هذا العلم إلا من عطل دكانه، وخرب بستانه، وهجر إخوانه ومات أقرب أهله إليه، فلم يشهد جنازته) .

وأخرج الخطيب (1/150) عن علي بن عبد الله بن جعفر المديني قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان وذكروا طلب الحديث فقال: (كنت اخرج من البيت قبل الغداة، فلا ارجع إلى العتمة) .

وأخرج (1/151) عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: (كنت ربما أردت البكور إلى الحديث فتأخذ أمي ثيابي وتقول: حتى يؤذن الناس، وحتى يصبحوا؛ وكنت ربما بكرت إلى مجلس أبي بكر بن عياش وغيره) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت