قال هشام بنُ عبدِ الملك لعمر بن عبد العزيز: يا أميرَ المؤمنينَ إني رسولُ قومِكَ إليكَ؛ وإنَّ في أنفسِهم ما أكلمُكَ به؛ إنهم يقولونَ استأنِفِ العملَ برأيِكَ فيما تحتَ يديكَ، وخلِّ بينَ مَن سبقَكَ وبينَ ما ولَّوا بهِ من كانَ يلونَ أمرَه بما عليهِم ولهم؛ فقالَ له عمرُ: أرأيتَ لو أتيتَ بسجلّينِ أحدهما من معاويةَ والآخر من عبدِ الملكِ بأمرٍ واحدٍ، فبأيِّ السجلينِ كنتَ تأخذُ (1) ؟ قال بالأقدمِ ولا أعدلُ بهِ شيئًا؛ قال عمرُ: فإني وجدتُ كتابَ اللهِ الأقدمَ فأنا حاملٌ عليهِ مَن أتاني ممن تحتَ يدي في ما لي (2) وفيما سبقني؛ فقال له سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان: يا أميرَ المؤمنينَ امضِ لرأيِك فيما وليتَ بالحقِّ والعدلِ، وخلِّ عمَّن سبقَك وعمّا ولّى خيره وشره، فإنكَ مكتفٍ بذلكَ فقال له عمر: أنشدكَ اللهَ الذي إليه تعودُ أرأيتَ لو أنَّ رجُلًا هلكَ وتركَ بنينَ صغارًا وكبارًا فعزَّ الأكابرُ الأصاغرَ بقوّتِهم (3) فأكلوا أموالَهم فأدركَ الأصاغرُ فجاءوك بهِم وبما صنعوا في أموالهم ما كنتَ صانعًا؟ قالَ: كنتُ أردُّ عليهم حقوقَهم حتى يستوفوها؛ قالَ: فإنني قد وجدتُ كثيرًا ممن قبلي من الولاةِ عزُّوا الناسَ بقوتِهم وسلطانِهم، وعَزَّهم بها أتباعُهم (4) ، فلما وليتُ أتوني بذلك فلم يسعْني إلا الردُّ على الضعيفِ من القويِّ، وعلى المستضعَفِ من الشريفِ؛ فقال وفقك اللهُ يا أميرَ المؤمنين. (5/282)
(1) في الأصل: (كنت آخذ) ، ولذلك وجه صحيح أيضًا، ولكن الذي أثبتُّه أقرب.
(2) في الأصل (مالي) ، ولعل الذي أثبتُّه هو الصحيح.
(3) أي غلبوهم.
(4) يعني أتباع الولاة.