الصفحة 337 من 603

قال الحسن: إن المؤمن قوام على نفسه يحاسب نفسه لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر على غير محاسبة، إن المؤمن يفجأه الشيء يعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك وإنك لمن حاجتي ولكن والله ما من وصلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك! ويفرط منه الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا؟! ما لي ولهذا؟! والله ما لي عذر بها، ووالله لا أعود لهذا أبدًا إن شاء الله؛ إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم؛ إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في ذلك كله. (2/157)

القلوب (1)

(1) قال ابن القيم في (الجواب الكافي) (ص140-143) في كلام له في عقوبات الذنوب:

(فسبحان الله كم من قلب منكوس وصاحبه لا يشعر، وقلب ممسوخ وقلب مخسوف به، وكم من مفتون بثناء الناس عليه ومغرور بستر الله عليه ومستدرج بنعم الله عليه؛ وكل هذه عقوبات وإهانة ويظن الجاهل أنها كرامة.

ومنها مكر الله بالماكر ومخادعته للمخادع واستهزاؤه بالمستهزىء وإزاغته لقلب الزائغ عن الحق.

ومنها نكس القلب حتى يرى الباطل حقًا والحق باطلًا والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ويُفسد ويرى أنه يُصلح ويصد عن سبيل الله وهو يرى أنه يدعو إليها، ويشتري الضلالة بالهدى وهو يرى أنه على الهدى، ويتبع هواه وهو يزعم أنه مطيع لمولاه؛ وكل هذا من عقوبات الذنوب الجارية علي القلوب.

ومنها حجاب القلب عن الرب في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة كما قال تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فمنعتهم الذنوب أن يقطعوا المسافة بينهم وبين قلوبهم فيصلوا إليها فيروا ما يصلحها ويزكيها وما يفسدها ويشقيها، وأن يقطعوا المسافة بين قلوبهم وبين ربهم فتصل القلوب إليه فتفوز بقربه وكرامته وتقرّ به عينًا وتطيب به نفسًا؛ بل كانت الذنوب حجابًا بينهم وبين قلوبهم، وحجابًا بينهم وبين ربهم وخالقهم.

ومنها المعيشة الضنك في الدنيا وفي البرزخ والعذاب في الآخرة قال تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) ، وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر، ولا ريب أنه من المعيشة الضنك، والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة في سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النعم؛ ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطّع القلوب، والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه؛ وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر فإنه يفيق صاحبه ويصحو، وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكن في عسكر الأموات.

فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله في دنياه وفي البرزخ ويوم معاده؛ ولا تقر العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق، وكل معبود سواه باطل.

فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه علي الدنيا حسرات.

والله تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن بالله وعمل صالحًا كما قال تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) ، فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة، والحسنى يوم القيامة؛ فلهم أطيب الحياتين، وهم أحياء في الدارين؛ ونظير هذا قوله تعالى (وللذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين) ونظيرها قوله تعالى (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله) ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين؛ فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته مِن ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة: هو النعيم علي الحقيقة، ولا نسبة لنعيم البدن إليه؛ فقد قال بعض من ذاق هذه اللذة: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف؛ وقال آخر: إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب؛ وقال الآخر: إن في الدنيا جنة هي في الدنيا كالجنة في الآخرة، فمن دخلها دخل تلك الجنة، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة؛ وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الجنة بقوله: (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر) ؛ وقال: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) ؛ ولا تظن أن قوله تعالى (إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم) يختص بيوم المعاد فقط، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة، وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة؛ وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته؟! وهل العيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم؟! وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على خليله عليه السلام بسلامة القلب فقال: (وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الصافات 83-84] ؛ وقال حاكيًا عنه أنه قال: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء 87-88] .

والقلب السليم هو الذى سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكِبْر وحب الدنيا والرياسة؛ فسلم من كل آفة تبعده من الله، وسلم من كل شبهة تعارض خبره، ومن كل شهوة تعارض أمره، وسلم من كل إرادة تزاحم مراده، وسلم من كل قاطع يقطعه عن الله؛ فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا، وفى جنة في البرزخ، وفي جنة يوم المعاد؛ ولا تتم له سلامته مطلقًا حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى يناقض التجريد والاخلاص؛ وهذه الخمسة حجب عن الله، وتحت كل واحد منها أنواع كثيرة تتضمن أفرادًا لا تنخصر، ولذلك اشتدت حاجة العبد بل ضرورته إلى أن يسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم، فليس العبد أحوج إلى شيء منه إلى هذه الدعوة، وليس شيء أنفع منها؛ فإن الصراط المستقيم يتضمن علومًا وإرادات وأعمالًا وتروكًا ظاهرة وباطنة تجري عليه كل وقت---) إلى آخر كلامه في هذه المسألة، رحمه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت