الصفحة 355 من 603

قال بلال بن سعد: كانوا يشتدون بين الأغراض ويضحك بعضهم إلى بعض فإذا جاء الليل كانوا رهبانًا. (المداراة ص67-68 وصف4/219)

قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لقد رأيت مشيخة المدينة وإن لهم لغدائر وعليهم الممصر والمورد، في أيديهم مخاصر، وفي أيديهم آثار الحناء، في هيئة الفتيان، ودين أحدهم أبعد من الثريا إذا أريد على دينه (1) . (صف2/152)

التشبه بالكفار وبأهل الباطل

قال حرب بن ميمون الأنصاري: بينما محمد بن سيرين يغسل النضر بن أنس، والحسنُ شاهدٌ، وأنا أعاطيهم فقال لي محمد: حي بنمط، فجئته بنمط أحمر، فقال محمد: يا أبا سعيد هذا زينة قارون! فقال له الحسن: نعم، فقال لي محمد: حي بغيره؛ قال: فجئته بنمط آخر أخضر فلفه فيه. (الطبقات الكبرى 7/191)

ذكر سلام بن فرقد السبخي عن ابراهيم النخعي أنه كان يكره أن يشرب في البلابل (2) ، ويقول: هو من زي الأعاجم (3)

(1) قال علي بن بكار البصري الزاهد: لأن ألقى الشيطان أحب إلي من أن ألقى فلانًا أخاف أن أتصنع له فأسقط من عين الله.

(2) البلابل: واحدها البُلْبُل، والبلبل من الإبريق قناته التي ينصب منها الماء.

(3) أحسن ما ألف في باب النهي عن التشبه بغير المسلمي (اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم) للإمام ابن تيمية رحمه الله؛ وقد قال في بيان سبب تأليفه:

(إني قد نَهيت: إما مبتدئًا أو مجيبًا، عن التشبه بالكفار في أعيادهم، وأخبرت ببعض ما في ذلك: من الأثر القديم، والدلالة الشرعية، وبينت بعض حكمة الشرع في مجانبة الكفار، من الكتابيين والأميين، وما جاءت به الشريعة من مخالفة أهل الكتاب والأعاجم.

وإن كانت هذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، كثيرة الشعب، وإصطلاحًا جامعًا من أصولها كثير الفروع، لكني نبهت على ذلك بما يسر الله تعالى، وكتبت جوابًا في ذلك لم يحضرني الساعة، وحصل بسبب ذلك من الخير ما قدره الله سبحانه.

ثم بلغني بأَخَرَة أن من الناس من استغرب ذلك واستبعده، لمخالفة عادة قد نشأوا عليها، وتمسكوا في ذلك بعمومات، وإطلاقات اعتمدوا عليها، فاقتضاني بعض الأصحاب أن أعلق في ذلك ما يكون فيه إشارة إلى أصل هذه المسألة، لكثرة فائدتها، وعموم المنفعة بها، ولما قد عم كثيرًا من الناس من الإبتلاء بذلك، حتى صاروا في نوع جاهلية، فكتبت ما حضرني الساعة، مع أنه لو استوفي ما في ذلك من الدلائل، وكلام العلماء، واستقريت الآثار في ذلك، لوجد فيه أكثر مما كتبته.

ولم أكن أظن أن من خاض في الفقه، ورأى إيماءات الشرع ومقاصده، وعلل الفقهاء ومسائلهم، يشك في ذلك، بل لم أكن أظن أن من وقر الإيمان في قلبه، وخلص إليه حقيقة الإسلام، وأنه دين الله، الذي لا يقبل من أحد سواه - إذا نبه على هذه النكتة - إلا كانت حياة قلبه، وصحة إيمانه، توجب استيقاظه بأسرع تنبيه، ولكن نعوذ بالله من رين القلوب، وهوى النفوس، اللذين يصدان عن معرفة الحق واتباعه).

ومما قاله في هذا الكتاب في أثناء تفصيله لبعض مسائله (ص219-223) :

(الوجه السابع من الاعتبار: ما قررته في وجه أصل المشابهة، وذلك أن الله تعالى جبل بني آدم بل سائر المخلوقات، على التفاعل بين الشيئين المتشابهين، وكلما كانت المشابهة أكثر كان التفاعل في الأخلاق والصفات أتم، حتى يؤول الأمر إلى أن لا يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالعين فقط.

ولما كان بين الإنسان و [الإنسان] مشاركة في الجنس الخاص، كان التفاعل فيه أشد؛ ثم بينه وبين سائر الحيوان مشاركة في الجنس المتوسط فلا بد من نوع تفاعل بقدره، ثم بينه وبين النبات مشاركة في الجنس البعيد مثلًا، فلا بد من نوع ما من المفاعلة.

ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمعاشرة والمشاكلة.

وكذلك، الآدمي إذا عاشر نوعًا من الحيوان اكتسب بعض أخلاقه، ولهذا صار الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون، والبغالون فيهم أخلاق مذمومة، من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلابون، وصار الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الإنس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة.

فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة، توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي.

وقد رأينا اليهود والنصارى الذين عاشروا المسلمين، هم أقل كفرًا من غيرهم، كما رأينا المسلمين الذين أكثروا من معاشرة اليهود والنصارى، هم أقل إيمانًا من غيرهم ممن جرد الإسلام.

والمشاركة في الهدي الظاهر توجب أيضًا مناسبة وإئتلافًا، وإن بعد المكان والزمان؛ فهذا أيضًا أمر محسوس.

فمشابهتهم في أعيادهم - ولو بالقليل - هو سبب لنوع ما من إكتساب أخلاقهم التي هي ملعونة، وما كان مظنة لفساد خفي غير منضبط، علق الحكم به، وأدير التحريم عليه، فنقول: مشابهتهم في الظاهر سبب ومظنة لمشابهتهم في عين الأخلاق والأفعال المذمومة؛ بل في نفس الإعتقادات وتأثير ذلك لا يظهر ولا ينضبط، ونفس الفساد الحاصل من المشابهة قد لا يظهر ولا ينضبط، وقد يتعسر أو يتعذر زواله بعد حصوله، لو تفطن له، وكل ما كان سببًا إلى مثل هذا الفساد فإن الشارع يحرمه، كما دلت عليه الأصول المقررة.

الوجه الثامن من الاعتبار:

أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة، وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة، حتى أن الرجلين إذا كانا من بلد واحد، ثم اجتمعا في دار غربة ،كان بينهما من المودة والإئتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين، أو كانا متهاجرين؛ وذاك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر، أو بلد غريب، وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب، أو الشعر، أو المركوب ونحو ذلك، لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضًا، ما لا يألفون غيرهم، حتى أن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة: إما على الملك، وإما على الدين؛ وتجد الملوك ونحوهم من الرؤساء، وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض.

وهذا كله موجب الطباع ومقتضاه، إلا أن يمنع من ذلك دين أو غرض خاص.

فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية، تورث المحبة والموالاة لهم، فكيف بالمشابهة في أمور دينية؟ فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد، والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ؛ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ؛ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُواْ خَاسِرِينَ) [المائدة 51-53] ؛ وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ؛ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ؛ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ؛ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة 78-81] .

فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي [صلى الله عليه وسلم] وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم؛ فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم.

وقال سبحانه: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ) [المجادلة 22] .

فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يواد كافرًا، فمن واد الكفار فليس بمؤمن، والمشابهة الظاهرة مظنة الموادة، فتكون محرمة، كما تقدم تقرير مثل ذلك.

واعلمْ أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة، فلنقتصر على ما نبهنا عليه).

ثم قال رحمه الله:

(فصل: مشابهتهم فيما ليس من شرعنا قسمان:

أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم.

فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم: إما أن يفعل لمجرد موافقتهم، وهو قليل، وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو في الآخرة؛ وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرًا بحسب الأدلة الشرعية.

وإما عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم فهو نوعان:

أحدهما: ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يبتلى به العامة، في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير، والميلاد ونحوهما، فإنهم قد نشأوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرَّف صاحبُه حكمَه، فإن لم ينته [الظاهر أن الصواب: فإن ينته] ، وإلا صار من القسم الأول.

النوع الثاني: ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر، فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم فيه، وقد توجب عليهم مخالفتنا؛ كما في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين، والسجود، وقد تبلغ الكراهة، كما في تأخير المغرب والفطور، بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذًا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم كما قدمناه).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت