الصفحة 394 من 603

. (صف3/248 وانظر محاسبة النفس ص72 و73 و صف 3/223 وروضة العقلاء ص60 والزهد ص244) (1)

قال عطاء الخراساني: إن استطعت أن تخلو عشية عرفة بنفسك فافعل. (الباعث لأبي شامة ص30 والحوادث والبدع ص116)

قال عبد الكريم بن أبي المخارق: قال لنا طاووس: إذا كنتُ في الطواف فلا تسألوني عن شيء، فإنما الطواف صلاة. (الطبقات 5/539)

تعظيم القرآن (2)

(1) عن رجل من بني نهشل قال: قال مطرف بن عبد الله وهو بعرفة: اللهم لا ترد الجميع من أجلي. (صف3/223) .

(2) أكتب تعليقًا على هذا العنوان العظيم كلمة في تعظيم أمر القرآن وفي بيان عظم تقصير أكثر المسلمين في هذا العصر في حق هذا الكتاب الكريم فأقول مبتدئًا بمسألة لا تشديد فيها:

(القرآن كِتَابُ من؟ وكلام من؟ وحكم من؟

كل مسلم يقدر أن يجيب على هذا السؤال؟ أليس كذلك؟ ولكن هل يعقل الناس حقيقة هذا السؤال وحقيقة جوابه كما ينبغي لهم؟ هل يفقهون معنى ذلك؟ ألا ليتهم يفقهون!

إن القرآن كتاب اللَّهِ رب العالمين، وما أدراك ما كلام الله؟

نعم، القرآن كلام الله وحكمه المشتمل على نهيه وأمره، فهل قدر الناس هذا الكتاب حق قدره؟ بل هل قدروه كما يطلب منهم ويليق به وبهم؟ اللهم عفوًا وغفرًا.

القرآن حبل الله الممدود، وعهده المعهود، وظله العميم، وصراطه المستقيم، وحجته الكبرى، ومحجته الوضحى، هو الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زل وهوى، إنه قرآن عجب، فضائله لا تعد ولا تحسب ولا تستقصى في ألف من الكتب، حجة الله وعهده، ووعيده ووعده، به يعلم الله الجاهل، ويعمل لله العاقل، وينتبه الساهي، ويتذكر اللاهي؛ بشير الثواب، ونذير العقاب، وشفاء الصدور، وجلاء الأمور، من فضائله أنه يقرأ دائبًا، ويكتب ويمل فلا يمل؛ ما أهون الدنيا على من جعل القرآن إمامه، وتصور الموت أمامه، طوبى لمن جعل القرآن مصباح قلبه، ومفتاح لبه؛ كتاب وليس كمثله كتاب، فِيهِ خَبَرُ مَا قَبْلنا وَنَبَأُ مَا بَعْدَنا وَحُكْمُ مَا بَيْننا، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، لا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ رَدٍّ، وَلا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، هُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، مَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إلَيْهِ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ هو كلام الله المبين، وحصنه الأمين، وحجته على العالمين، ورحمته للمؤمنين، ونوره الهادي بإذنه إلى المسلك السليم والصراط القويم، وهو معجزة نبيه الكريم محمد عليه أكمل الصلاة والتسليم، معجزة خالدة إلى يوم الدين، جعله الله شفاء للصدور من أمراض الشهوات والشبهات، وبيانًا للبصائر من العمه، وهدى للسائر من الضلالات، وموعظة من الجهالات، ونورًا من الظلمات في الدنيا وعلى الصراط وعند الممات، وفرقانًا بين الحق والباطل والمباحات والمحرمات؛ فصل الله فيه سنة المتقين السعداء لتُسْلَك وبين فيه سبيل المجرمين الأشقياء لتترك؛ وهو كتاب كريم حكيم مَجيد مبارك، لا يهجره إلا خاسر ولا يعرض عنه إلا هالك؛ فيا سبحان الله ما أعظم فضل القرآن على الناس، وما أعظم حق القرآن على الناس، وما أشد تقصير الناس في حق القرآن؛ كم من وضيع بين الناس والقرآن رفعه، وخائف والقرآن منعه، وصائل ظالم والقرآن دفعه، وجبار طاغية والقرآن قمعه، ومتفرق والقرآن جمعه، وجبان قلبٍ والقرآن شجّعه، ووحيد والقرآن آنسه وشفعه، وسقيم والقرآن نفعه؛ ومعرض والقرآن أسمعه، ومنحرف والقرآن أرجعه؛ فسبحانك ما أعظم كتابك وما أجل وأعلى شأنه وأعظمه وأرفعه؛ إنه أسبغ رحمة وأكبر نعمة وأعظم منة تفضل الله بها على الناس، بل كل نعمة وسعادة تنال هذه الأمة في الدنيا والآخرة فسببها الاهتداء به ومتابعته، وكل شقاء وغم وضيق يقع عليها في الدنيا والآخرة فسببه هجره وإضاعته وترك التحاكم إليه وقلة الاعتماد عليه.

ولما كان القرآن الكريم هو كلام الله تبارك وتعالى الذي أنزله على أفضل رسله وخاتمهم واقتضت حكمته أن يكون هذا الكتاب آخر عهد الناس بالوحي، وأراد سبحانه أن يكون المعجزة الخالدة المحفوظة إلى يوم الدين فتحدى به الإنس والجن أجمعين وأنزله إلى أفضل أمة عقلًا وأفصحها قولًا وأصفاها نفسًا وأرهفها حسًا؛ لذلك كله كان في القرآن من الخصائص العظيمة الحكيمة ما يغلب الحاصر ويأبى على المستقصي ولا يسع الواقف على بعض ذلك إلا السجود لمنزل هذا الكتاب المجيد.

ولما كان حالنا مع القرآن ما ذكرناه، بل كما تعلمه وتراه، فإنه لا بد، لذلك، من أن يقوم العلماء بتعيين الداء ووصف الدواء، لا بد من تذكير العالم وإنذار الظالم وتعليم الجاهل وتنبيه الغافل وتبشير الراشد وتحذير المعاند؛ لا بد من تعظيم القرآن العظيم؛ والله المستعان؛ ولقد قال ابن القيم في (الفوائد) (ص82) :

هجر القرآن أنواع أحدها:

هجر سماعه والإيمان به والاصغاء إليه.

والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.

والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تُحَصِّل العلم.

والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في [لعلها من] جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به.

وكل هذا داخل في قوله (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) ، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.

وكذلك الحرج الذي في الصدور منه فإنه:

تارة يكون حرجًا من إنزاله وكونه حقًا من عند الله.

وتارة يكون من جهة التكلم به أو كونه مخلوقًا من بعض مخلوقاته ألْهَمَ غيرَه أن تكلم به.

وتارة يكون من جهة كفايته وعدمها وأنه لا يكفي العباد بل هم محتاجون معه إلى المعقولات والأقيسة أو الأراء أو السياسات.

وتارة يكون من جهة دلالته وهل [في الأصل: (وما) بدل (وهل) ] أريد به حقائقه المفهومة منه عند الخطاب أو أريد به تأويلها وإخراجها عن حقائقها إلى تأويلات مستكرهة مشتركة.

وتارة يكون من جهة كون تلك الحقائق وإن كانت مرادة فهي ثابتة في نفس الأمر أو أوهم أنها مرادة لضرب من المصلحة؟!

فكل هؤلاء في صدورهم حرج من القرآن وهم يعلمون ذلك من نفوسهم ويجدونه في صدورهم؛ ولا تجد مبتدعًا في دينه قط إلا وفي قلبه حرج من الآيات التي تخالف بدعته؛ كما أنك لا تجد ظالمًا فاجرًا إلا وفى صدره حرج من الآيات التي تحول بينه وبين إرادته. فتدبر هذا لمعنى ثم ارض لنفسك بما تشاء. انتهى.

وبيَّن ابن القيم أيضًا معنى التلاوة فقال في (مفتاح دار السعادة) (1/41-42) في أثناء كلامه على بعض مسائل القلوب:

(والقلب السليم الذي ينجو من عذاب الله؛ هو القلب الذي قد سلم من هذا وهذا؛ فهو القلب الذي قد سلم لربه، وسلم لأمره، ولم تبق فيه منازعة لأمره ولا معارضة لخبره؛ فهو سليم مما سوى الله وأمره، لا يريد إلا الله ولا يفعل إلا ما أمره الله؛ فالله وحده غايته؛ وأمره وشرعه وسيلته وطريقته؛ لا تعترضه شبهة تحول بينه وبين تصديق خبره؛ لكن لا تمر عليه إلا وهي مجتازة تعلم أنه لا قرار لها فيه؛ ولا شهوة تحول بينه وبين متابعة رضاه.

ومتى كان القلب كذلك فهو سليم من الشرك وسليم من البدع وسليم من الغي وسليم من الباطل؛ وكل الأقوال التي قيلت في تفسيره فذلك يتضمنها؛ وحقيقته أنه القلب الذي قد سلم لعبودية ربه حياء وخوفًا وطمعًا ورجاء، ففنى بحبه عن حب ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وسلم لأمره ولرسوله تصديقًا وطاعة كما تقدم؛ واستسلم لقضائه وقدره فلم يتهمه ولم ينازعه ولم يتسخط لأقداره؛ فأسلم لربه انقيادًا وخضوعًا وذلًا وعبودية، وسلم جميع أحواله وأقواله وأعماله وأذواقه ومواجيده ظاهرًا وباطنًا من مشكاة رسوله [صلى الله عليه وسلم] وعرض ما جاء من سواها عليها، فما وافقها قبله وما خالفها رده، وما لم يتبين له فيه موافقة ولا مخالفة وقف أمره وأرجأه إلى أن يتبين له؛ وسالم أولياءه وحزبه المفلحين الذابين عن دينه وسنة نبيه القائمين بها؛ وعادى أعداءه المخالفين لكتابه وسنة نبيه الخارجين عنهما الداعين إلى خلافهما--- وهذه المتابعة هي التلاوة التي أثنى الله على أهلها في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ [وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ] ) وفي قوله (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) [البقرة 121] ؛ والمعنى يتبعون كتاب الله حق اتباعه؛ وقال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ) [العنكبوت 45] ؛ وقال: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ) [النمل 91-92] .

فحقيقة التلاوة في هذه المواضع هي التلاوة المطلقة التامة؛ وهي تلاوة اللفظ والمعنى؛ فتلاوة اللفظ جزء مسمى التلاوة المطلقة.

وحقيقة اللفظ إنما هي الاتباع، يقال: اتل أثر فلان، وتلوت أثره وقفوته وقصصته بمعنى تبعت خلفه؛ ومنه قوله تعالى (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا) [الشمس 1-2] ، أي تبعها في الطلوع بعد غيبتها، ويقال: جاء القوم يتلو بعضهم بعضًا، أي يتبع.

وسمي تالي الكلام تاليًا لأنه يتبع بعض الحروف بعضًا لا يخرجها جملة واحدة، بل يتبع بعضها بعضًا مرتبة كلما انقضى حرف أو كلمة اتبعه بحرف آخر وكلمة أخرى؛ وهذه التلاوة وسيلة وطريقة والمقصود التلاوة الحقيقية، وهي تلاوة المعنى واتباعه، تصديقًا بخبره، وائتمارًا بأمره، وانتهاء بنهيه، وائتمامًا به، حيثما قادك انقدت معه.

فتلاوة القرآن تتناول تلاوة لفظه ومعناه؛ وتلاوة المعنى أشرف من مجرد تلاوة اللفظ؛ وأهلها هم أهل القرآن الذين لهم الثناء في الدنيا والآخرة؛ فإنهم أهل تلاوة ومتابعة حقًا).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت