الصفحة 412 من 603

عَهِدَ عمرُ إلى بعضِ عُمّالِهِ: عليكَ بتقوى اللهِ في كلِّ حالٍ ينزلُ بك، فإنَّ تقوى اللهِ أفضلُ العُدَّةِ وأبلغُ المكيدةِ وأقوى القوةِ؛ ولا تكنْ في شيءٍ مِن عداوةِ عدوِّكَ أشدَّ احتراسًا لنفسِكَ ومَن مَعكَ مِن معاصي اللهِ، فإنَّ الذنوبَ أخْوفُ عندي على الناسِ مِن مكيدةِ عدوِّهم؛ وإنما نُعادي عدوَّنا ونستنصرُ عليهم بمعصيتِهم، ولولا ذلك لم تكنْ لنا قوةٌ بهم، لأنَّ عَددَنا ليسَ كعددِهم، ولا قوتنا كقوتِهم، فإنْ لا نُنْصَرْ عليهم بمقتنا (1) لا نغلبهم بقوتِنا؛ ولا تكونُنَّ لعداوةِ أحدٍ مِن الناسِ أحذرَ منكم لذنوبِكم ولا أشدَّ تعاهدًا منكم لذنوبِكم؛ واعلموا أنَّ عليكم ملائكةَ اللهِ حفظة عليكم، يعلمون ما تفعلون في مسيرِكم ومنازلِكم فاستحيوا منهم وأحسنوا صَحابَتَهم، ولا تؤذوهم بمعاصي الله وأنتم زعمتم في سبيلِ الله، ولا تقولوا: إنَّ عدوَّنا شرٌّ منا ولن يُنْصَروا علينا وإنْ أذنبْنا! فكم مِن قومٍ قد سُلِّط - أو سُخِطَ - عليهم بأشَرَّ منهم لذنوبِهم! وسلوا الله العونَ على أنفسِكم كما تسألونه العونَ على عدوِّكم، نسأل اللهَ ذلكَ لنا ولكم؛ وارفقْ بمَن معكَ في مسيرِهم، فلا تُجَشِّمْهم مسيرًا يتعبهم ولا تقصِّرْ بهم عن منزلٍ يرفقُ بهم حتى يلقوا عدوَّهم والسفرُ لم يَنْقُصْ قوتَهم (2) ولا كراعَهم، فإنكم تسيرونَ إلى عدوٍّ مقيمٍ جامِّ الأنفسِ والكراعِ (3)

(1) كذا في الأصل، ولعلها مصحفة عن (بثقتنا) أو (بصفتنا) أو (بيقيننا) أو عن غير ذلك.

(2) جاء في (مختار الصحاح) (ص281) : (نَقَصَ الشيءُ، من باب نصر، ونُقْصَانًا أيضًا، ونَقَصَهُ غيرُه، يتعدى ويلزم، قلتُ: النَّقْصُ مصدر المُتعدي والنُّقْصَانُ مصدر اللازم، والمُتعدي يتعدى إلى مفعولينِ، تقول: نقصَه حقَّه، قال الله تعالى:(ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا) [التوبة 4] ؛ وأما قولك: نقَصَ المالُ درهمًا والبُرُّ مُدًّا؛ فدرهمًا ومدًّا تمييز).

(3) جاء في (مختار الصحاح) (ص47) : (والجَمَامُ بالفتح الراحةُ، يقالُ: جَمَّ الفرسُ يجِمّ ويجُمُّ جَمامًا: إذا ذهب إعياؤه؛ وأُجِمَّ الفرسُ وجُمَّ أيضًا، على ما لم يسمَّ فاعلُه فيهما، أي تُرك ركوبه، ويقالُ: أجْمِمْ نفسك يومًا أو يومين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت