فهرس الكتاب
أتى رجل الحسن فقال: إني أريد السِّنْد فأوصني، قال: حيث ما كنت فأعزَّ الله يعزك؛ قال: فحفظت وصيته فما كان بها أحدٌ أعز مني حتى رجعت. (2/152)
قال الحسن: يقول الله تبارك وتعالى: إذا علمت أن الغالب على عبدي التمسك بطاعتي مننت عليه بالاشتغال بي والانقطاع إلي. (الأولياء ص14)
بَعَثَ الحجاجُ بنُ يوسفَ إلى الحسنِ وقد همَّ بهِ، فلمّا دخلَ عليهِ فقامَ بينَ يديهِ، فقالَ: يا حجاجُ كمْ بينَكَ وبينَ آدمَ من أبٍ؟ قالَ: كثيرٌ، قالَ: فأينَ هم؟ قالَ: ماتوا، فنكَّسَ الحجّاجُ رأسَهُ، وخرَجَ الحسَنُ. (4/88)
قال الحسن: أفضل الناس ثوابًا يوم القيامة المؤمن المعمر. (العمر والشيب ص59)
قال الحسن: من عمل بالعافية فيمن دونه رُزِقَ العافية ممن فوقه. (البصائر والذخائر 1/16)
قال الحسن: اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته. (كلمة الإخلاص ص31)
قال الحسن: لا يزال العبد بخير ما لم يصب كبيرة تفسد عليه قلبه وعقله؛ وقال الحسن: الإيمان الإيمان، فإنه من كان مؤمنًا فإنَّ له عند الله شفعاءَ مشفعين. (المصنف 7/236)
عن زيد بن أسلم - وكان من الخاشعين - أنه قال: ياابن آدم أمرك الله أن تكون كريمًا وتدخل الجنة، ونهاك أن تكون لئيمًا وتدخل النار. (المجالسة 1777 والجواهر المجموعة ص63)
حلاوة الايمان (1)
(1) قال ابن القيم في (الوابل الصيب) (ص 68 وما بعدها) بعد أن ذكر عقوبة الإعراض عن ذكر الله في الدنيا والبرزخ والآخرة، وبيَّن طرفًا من حال المعرضين والغافلين:
(وهذا عكس أهل السعادة والفلاح، فإن حياتهم في الدنيا أطيب الحياة ولهم في البرزخ وفي الآخرة أفضل الثواب؛ قال تعالى:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) فهذا في الدنيا ثم قال: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل 97] ، فهذا في البرزخ والآخرة؛ وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) [النحل 41] ؛ وقال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) [هود 3] ، فهذا في الآخرة؛ وقال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر 10] ؛ فهذه أربعة مواضع ذكر الله تعالى فيها أنه يجزي المحسن بإحسانه جزاءين: جزاء في الدنيا وجزاء في الآخرة؛ فالإحسان له جزاء معجل ولا بد، والإساءة لها جزاء معجل ولا بد.
ولو لم يكن إلا ما يجازى به المحسن من انشراح صدره في انفساح قلبه وسروره ولذاته بمعاملة ربه عز وجل وطاعته وذكره ونعيم روحه بمحبته وذكره وفرحه بربه سبحانه وتعالى أعظم مما يفرح القريب من السلطان الكريم عليه بسلطانه، وما يجازى به المسيء من ضيق الصدر وقسوة القلب وتشتته وظلمته وحزازاته وغمه وهمه وحزنه وخوفه، وهذا أمر لا يكاد من له أدنى حس وحياة يرتاب فيه، بل الغموم والهموم والأحزان والضيق عقوبات عاجلة ونار دنيوية وجهنم حاضرة؛ والإقبال على الله تعالى والإنابة إليه والرضا به وعنه وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره والفرح والسرور بمعرفته: ثواب عاجل وجنة وعيش لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة؛ وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة؛ وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟! أنا جنتي وبستاني في صدري إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة؛ وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هده النعمة؛ أو قال: ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، [أ] و نحو هذا؛ وكان يقول في سجوده وهو محبوس: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) ، ما شاء الله؛ وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه؛ ولما دخل إلى القلعة وصار داخل سورها نظر إليه وقال: (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد 13] ؛ وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع كل ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، بل ضدِّها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا وأقواهم قلبًا وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه؛ وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض: أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله وينقلب انشراحًا وقوةً ويقينًا وطمأنينة؛ فسبحان من أشهد عبادَه جنتَه قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها؛ وكان بعض العارفين يقول: لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف؛ وقال آخر: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره، أو نحو هذا؛ وقال آخر: إنه لتمر بالقلب أوقات يرقص فيها طربًا؛ وقال آخر: إنه لتمر بي أوقات أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيبز
فمحبة الله تعالى ومعرفته ودوام ذكره والسكون إليه والطمانينة إليه وإفراده بالحب والخوف والرجاء والتوكل والمعاملة بحيث يكون هو وحده المستولي على هموم العبد وعزماته وإرادته: هو [أي الأمر المتقدم ذكره من المحبة وما عطف عليها] جنة الدنيا والنعيم الذي لا يشبهه نعيم، وهو قرة عين المحبين وحياة العارفين، وإنما تقر عيون الناس بهـ [ـم] على حسب قرة أعينهم بالله عز وجل، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات؛ وإنما يصدّق هذا من قلبه حياة؛ وأما ميت القلب فيوحشك حاله، ثم فاستأنس بغيبته ما أمكنك، فإنك لا يوحشك إلا حضوره عندك؛ فإذا ابتليت به فاعطه ظاهرك وترحَّل عنه بقلبك وفارقه بسرك ولا تشتغل به عما هو أولى بك؛ واعلم أن الحسرة كل الحسرة الاشتغال بمن لا يجر عليك الاشتغال به إلا فوت نصيبك وحظك من الله عز وجل وانقطاعك عنه وضياع وقتك وضعف عزيمتك وتفرق همك؛ فإذا بليت بهذا ولا بد لك منه فعامل الله تعالى فيه واحتسب عليه ما أمكنك وتقرب إلى الله تعالى بمَرضاته فيه واجعل اجتماعك به متجرًا لك، لا تجعله خسارة؛ وكن معه كرجل سائر في طريقه عرض له رجل وقفه عن سيره، فاجتهدْ أن تأخده معك وتسير به فتحمله ولا يحملك، فإن أبى ولم يكن في سيره مطمع فلا تقف معه بل اركب الدرب ودعه ولا تلتفت إليه، فإنه قاطع الطريق، ولو كان من كان، فانج بقلبك وضُنَّ بيومك وليلتك لا تغرب عليك الشمس قبل وصول المنزلة فتؤخذ أو يطلع الفجر أنّى لك بلحاقهم؟!