فهرس الكتاب
قال ثابت البناني: ما دعا اللهَ عز وجل المؤمنُ بدعوة إلا وكل بحاجته جبرئيل عليه السلام، فيقول: لا تعجل بإجابته فإني أحب أن أسمع صوت عبدي المؤمن؛ وإن الفاجر يدعو الله عز وجل فيوكل جبرئيل بحاجته فيقول: يا جبرائيل أعجل إجابة دعوته فإني أحب أن لا أسمع صوت عبدي الفاجر (1)
(1) وتكميلًا لفوائد هذا الباب العظيم، أسوق هنا جملة من الأخبار التي ساقها صاحب (العقد الفريد) في أبواب الدعاء والاستغفار من كتابه هذا:
العُتبيّ عن أبيه قال: خرجتُ مع عُمَر بن ذرّ إلى مكة فكان إذا لَبَّى لم يُلَبِّ أحدٌ من حُسن صوته؛ فلما جاء الحَرَم قال: يا رب ما زِلْنا نَهْبط وَهْدةً ونَصْعد أكمة ونَعْلو نَشَزًا وَيَبْدُو لنا عَلَم حتى جِئْناك بها نَقِبَةً أخفافها دبرة ظُهورُها ذابلةً أسْنِمَتُهَا؛ وليس أعظمُ المَؤونة علينا إِتعابَ أبداننا ولكن أعظم المؤونة علينا أن تَرْجِعَنا خائبين من رحمتك يا خيرَ من نُزِل به.
وكان آخَرُ يدعو بعَرفات: يا رب لم أعْصِك إذ عصيتُك جَهْلًا مني بحقك ولا استخفافًا بعقوبتك، ولكن الثقة بعَفْوك والاغترار بِسَتْرِك المُرْخَى علي مع الشَقْوة الغالِبة والقَدَر السابق، فالآن مِن عذابك مَنِ يَسْتَنقذني؟ وبِحَبْل مَن أعْتَصِم إن قطعْت حَبْلك عَني؟ فيا أسفي على الوُقوف غدًا بين يدَيْك إذا قِيل للمُخِفَين جُوزوا وللمُذْنِبين حُطّوا .
أبو الحسن قال: كان عروة بن الزُّبير يقول في مُناجاته بعد أن قُطِعت رِجْلُه ومات ابنه: كانوا أربعةً - يعنِي بنيه - فأخذتَ واحدًا وأبقيتَ ثلاثة؛ وكُنَّ أربعًا - يعنِي يدَيْه ورِجليه - فأخذتَ واحدةَ وأبقيتَ ثلاثًا فلئن ابتليتَ لطالما عافيتَ ولئن عاقبت لطالما أنعمتَ .
وكان عبدُ الله بن ثعلبة البَصْريّ يقول: اللهم أنت من حِلْمك تُعْصىَ وكأنك لا تَرى وأنت من جًودك وفَضْلك تُعطِي وكأنك لا تُعْطِيِ وأيّ زمان لم يَعْصك فيه سُكان أرْضك فكُنتَ عليهم بالعفو عوادًا وبالفَضْل جَواداًَ .
وكان من دُعاء علي بن الحُسين رضي اللهّ عنه: اللهم إني أعوذ بك أن تُحَسِّن في مَرأى العُيون عَلانِيَتي وتقَبِّح في خَفيات القُلوب سَرِيرتي اللهم وكما أسأتُ فأحسنتَ إليّ إذا عُدْتُ فعُدْ عليّ وارزقني مُواساة مَن قترَّت عليه ما وسَّعتَ عليَّ .
الشيبانيّ قال: أصاب الناسَ ببغداد ريحٌ مُظْلمة فانتهيتُ إلى رجل في المسجد وهو ساجد يقول في سُجوده: اللهم احفظ محمدًا في أمته ولا تُشمِت بنا أعداءنا من الأمم؛ فإن كنتَ أخذتَ العوام بذنبي فهذه ناصِيتي بين يديك .
وكان الفضيل بن عِيَاض يقول: إلهي لو عَذَّبتَني بالنار لم يَخْرُج حُبُّك من قَلبي ولم أنسَ أياديكَ عندي في دار الدنيا.
وقال عبد الله بنُ مسعود: اللهم وَسِّع عليَّ في الدنيا وزَهِّدني فيها، ولا تُزْوِها عَني وتُرَغبني فيها .
مَرَّ أبو الدَّرداء برجل يقول في سُجوده: اللهم إني سائلٌ فقير فأغْنِني من سِعَة فَضْلك خائفٌ مُستجير فأجِرْني من عَذابك .
الأصمعي قال: كان عَطاءُ ابن أبي رَباح يقول في دُعائه: اللهم ارحم في الدُّنيا غُرْبتي، وعند الموت صَرْعتي، وفي القُبور وحْدَتي، ومَقامي غدًا بين يديك .
العُتْبيّ قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بن زياد قال: اشتكي أبي فكتب إلى أبي بكر بن عبد الله يسأله أن يدعوَ له؛ فكتب إليه: حُقَّ لمن عَمِل ذنبًا لا عُذْر له فيه، وخاف مَوتًا لا بُدَ له منه، أن يكون مُشْفِقًا؛ سأدعو لك، ولستُ أرجو أن يُستجاب لي بقوةٍ في عَمل وبراءةٍ من ذنْب .
سُفيان الثَوريّ قال: دخلتُ على جَعفر بن محمد رضي اللهّ عنهما فقال لي: يا سُفيان إذا كثرت هُمومُك فأكْثِر من لا حَوْلَ ولا قُوّة إلا باللّه العليّ العَظيم؛ وإذا تَداركتْ عليك النِّعم فأكْثِر من الحَمْد لله؛ وإذا أبطأ عنك الرّزْق فأكثر من الاستغفار .
وقال عبد الله بن عبّاس: لا كَبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصْرار .
وقال عليّ بن أبي طالب رضي اللهّ عنه: عجبًا ممن يَهْلك والنجاة معه ! قيل له: وما هي؟ قال: الاستغفارُ .
وكان آخرُ دُعاء أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه في خُطْبته: اللهم اجعلْ خيرَ زَماني آخرَه وخيرَ عَملي خواتِمَه وخيرَ أيامي يومَ لِقائك .
وكان آخرُ دُعاء عمرَ رضي الله عنه في خُطبته: اللهم لا تَدَعْني في غَمْرة ولا تَأخًذْني في غرة ولا تَجْعلني من الغافِلين .
وقال أعرابي يصف دَعْوة:
وساريةٍ لم تَسْرِ في الأرض تَبْتَغِي مَحَلًا ولم يَقْطَعْ بها البِيدَ قاطعُ
سَرَتْ حيث لم تَسْرِ الرِّكابُ ولم تُنَخْ لورْد ولم يَقْصرُ لها القَيْدَ مانع
تَظلُّ وَرَاء اللَيل والليلُ ساقِطٌ بأروَاقه فيه سميرٌ وهاجع
إذا سألَتْ لم يَرْدُدِ الله سُؤْلَها على أهْلِها والله راءٍ وسامع
وإني لأرجو اللهَ حتى كأنما أرى بجميل الظنّ ما اللهّ صانع
ومن قولنا في هذا المعنى:
بُنَيٌ لئن أعيا الطبيبَ ابنَ مُسلم ضَنَاك وأعْيا ذا البَيان المُسَجَّع
لأبْتَهِلَنْ تحتَ الظلام بِدَعْوَةٍ متى يَدْعها داع إلى الله يُسمع
يُقلقل ما بينَ الضلوعِ نَشيجُها لها شافِع من عَبْرَةٍ وتضرُّع
إلى فارجِ الكَرْب المُجيب لمن دعا فَزَعْتُ بكَرْبي إنه خير مَفْزع
فيا خيرَ مَدْعُوّ دعوتُك فاسْتَمع ومالِي شَفيع غير فضلك فاشْفَع
انتهى ما أردت نقله هنا من جواهر (العقد الفريد) .