الصفحة 517 من 603

قال الأحنف بن قيس: ثلاثٌ فيَّ ما أقولهن إلا ليعتبر معتبرٌ: ما دخلت بين اثنين حتى يُدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدْعَ إليه، - يعني السلطان - ولا حللت حبْوتي إلى ما يقوم إليه الناس. (الكامل 1/47)

قال الأحنف: سهرت ليلتي أفكر في كلمة أُرضي بها سلطاني ولا أُسخط بها ربي فما وجدتها. (أدب الدنيا والدين ص272)

قال غيلان: كان مُطَرِّف يلبس البرانس، ويلبس المطارف، ويركب الخيل، ويغشى السلطان؛ غير أنك كنت إذا أفضيتَ إليه أفضيت إلى قرة عين. (صف 3/222)

عن فرات بن سليمان عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلونَّ نفسَك بهن: لا تدخل على السلطان وإن قلتَ: آمره بطاعة الله؛ ولا تدخل على امرأة وإن قلتَ أعلمها كتاب الله؛ ولا تصغين بسمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه. (4/85)

قال زائدة: قلت لمنصور [بن المعتمر] : إذا كنتُ صائمًا أنال من السلطان شيئًا؟ فقال: لا؛ فقلت: اذا كنت صائمًا أنال من أصحاب الأهواء شيئًا؟ قال: نعم. (5/41-42)

قال عمر بن عبد المجيد: اعتم شهر بن حوشب، وهو يريد سلطانًا يأتيه؛ ثم نقض عمامته وجعل يقول: السلطان بعد الشيب؟! السلطان بعد الشيب؟! (1)

(1) روى البخاري في (التاريخ الكبير) (1/443) في ترجمة (إياس بن نذير) ، عن ابن مسعود قال: يدخل الرجل على السلطان ومعه دينه، فيخرج وما معه شي.

وروى فيه أيضًا (4/70) عن سلمة بن قيس قال: لقيت أبا ذر فقال: يا أبا سلمة ثلاثًا احفظْها: لا تجمعن بين الضرائر؛ ولا تغش ذا السلطان فإنك لم تغش من دنياهم إلا أصابوا من دينك أفضل منه؛ ولا تعمل على الصدقة.

وروى أبو نعيم في (الحلية) (6/251) من طريق محمد بن إسماعيل [البخاري] حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم حدثنا موسى بن إسماعيل قال: سمعت حماد بن سلمة يقول لرجل: إن دعاك الأمير أن تقرأ عليه (قل هو الله أحد) ، فلا تأته.

وروى أبو نعيم أيضًا (6/251) من طريق البخاري أيضًا قال: سمعت آدم بن إياس يقول: شهدت حماد بن سلمة، ودعوه، يعني السلطان؛ فقال: أحمل لحية حمراء لهؤلاء؟! لا والله لا فعلت.

وروى أيضًا (7/47-48) عن سلمة بن شبيب حدثنا مبارك أبو حماد قال: سمعت سفيان الثوري يقول لعلي بن الحسن السليمي:

(إياك وما يفسد عليك عملك وقلبك، فإنما يفسد عليك قلبك مجالسة أهل الدنيا، وأهل الحرص، وإخوان الشياطين الذين ينفقون أموالهم في غير طاعة الله.

وإياك وما يفسد عليك دينك، فإنما يفسد عليك دينك مجالسة ذوي الألسن المكثرين للكلام.

وإياك وما يفسد عليك معيشتك، فإنما يفسد عليك معيشتك أهل الحرص وأهل الشهوات.

وإياك ومجالسة أهل الجفاء، ولا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقي ولا تصحب الفاجر، ولا تجالسه، ولا تجالس من يجالسه، ولا تؤاكله، ولا تؤاكل من يؤاكله، ولا تحب من يحبه، ولا تفش إليه سرك، ولا تبسم في وجهه، ولا توسع له في مجلسك، فإن فعلتَ شيئًا من ذلك فقد قطَّعتَ عرى الإسلام.

وإياك وأبواب السلطان، وأبواب من يأتي أبوابهم، وأبواب من يهوى هواهم، فإن فتنهم مثل فتن الدجال، فإن جاءك منهم أحد فانظر إليه بوجه مكفهر ولا تبال منهم شيئًا، فيرون أنهم على الحق، فتكون من أعوانهم، فإنهم لا يخالطون أحدًا إلا دنسوه.

وكن مثل الأترجة طيبة الريح طيبة الطعم.

لا تنازع أهل الدنيا في دنياهم تكن محببًا إلى الناس.

وإياك والمعصية فتستحق سخط الله، واعلم أنه لم يكن أحد أكرم على الله من آدم عليه السلام، جبل الله تربته بيده، ونفخ فيه من روحه، وأكرمه بسجود ملائكته، وأسكنه جنته، فأخرجه منها بذنب واحد.

واعلم يا أخي أن الله تعالى لا يدخل أحدًا الجنة بالمعاصي، وأن داود عليه السلام خليفة الله في الأرض، نزل ما نزل به بخطيئة واحدة، ولو أنا عملنا مثلها لقلنا ليست بخطيئة.

فاتق الله يا أخي واجتنب المعاصي وأهلها، فإن أهل المعاصي استوجبوا من الله النقمة، وكن مبذولًا بمالك ونفسك لإخوانك، ولا تغشهم في السرور والعلانية.

وأبغِضِ الجهالَ ومجالستَهم، والفجارَ وصحْبتَهم، فإنه لا ينجو من جاورهم إلا من عصم الله.

وإذا كنت مع الناس فعليك بكثرة التبسم والبشاشة، وإذا خلوت بنفسك فعليك بكثرة البكاء والهم والحزن، فقد بلغنا، والله أعلم، أن أكثر ما يجد المؤمن يوم القيامة في كتابه من الحسنات الهم والحزن.

وإياك وخشوع النفاق وأنْ تُظْهرَ على وجهك خشوعًا ليس في قلبك).

وروى الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (1/362-363) عن مقاتل بن صالح الخراساني صاحب الحميدي قال:(دخلت على حماد بن سلمة، فإذا ليس في البيت إلا حصير، وهو جالس عليه، ومصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه [يعني أوراقه] ، ومطهرة يتوضأ فيها، فبينا أنا عنده جالس، إذ دَقَّ عليه داقٌّ البابَ، فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: هذا رسول محمد بن سليمان؛ قال: قولي له يدخل وحده؛ [فدخل] ، وناوله كتابه، فقال: اقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن سليمان، إلى حماد بن سلمة؛ أما بعد، فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته؛ وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها.

قال: يا صبية هَلُمّي الدواةَ، ثم قال لي: اقلب الكتاب واكتب؛ أما بعد، وأنتَ فصبحك الله بما صبَّحَ به أولياءه وأهل طاعته؛ إنا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحدًا؛ فإن وقعت مسألة فأتنا فسلنا عما بدا لك؛ وإن أتيتني فلا تأتني إلا وحدك؛ ولا تأتني بخيلك ورجلك، فلا أنصحك ولا أنصح نفسي؛ والسلام.

فبينا أنا عنده جالس إذ دقَّ داقٌّ البابَ، فقال: يا صبية اخرجي فانظري من هذا؟ قالت: هذا محمد بن سليمان؛ قال: قولي له يدخل وحده، فدخل، فسلم، ثم جلس بين يديه [ثم ذكر المحاورة بينهما إلى أن قال] : فقال [يعني الأمير] : فحاجة إليك؟ قال: هات ما لم تكن رزية في دين؛ قال: أربعين ألف درهم تأخذها تستعين بها على ما أنت عليه؛ قال: ارددها على من ظلمته بها؛ قال: والله ما أعطيك إلا ما ورثته؛ قال: لا حاجة لي فيها، ازوها عني زوى الله عنك أوزارَك؛ قال: فغير هذا؟ قال: هات ما لم يكن رزية في دين؛ قال: تأخذها فتقسمها؛ قال: فلعلي إن عدلت في قسمها أن يقول بعض من لم يُرزَق منها: إنه لم يعدل في قسمها، فياثم؛ ازوها عني زوى الله عنك أوزارك) .

ونقل هذه القصة ابن الجوزي في (صفة الصفوة) (3/361-362) .

وأخرج أبو نعيم في (حلية الأولياء) (8/156) عن وهيب بن الورد قال: بلغنا أن العلماء ثلاثة؛ فعالم [يتعلمه للسلاطين؛ وعالم] يتعلمه ليتغنى به عند التجار، وعالم يتعلمه لنفسه، لا يريد به إلا أنه يخاف أن يعمل بغير علم فيكون ما يفسد أكثر مما يصلح. انتهى؛ وما بين الحاصرتين من كتاب (ما رواه الأساطين) للسيوطي، وفيه أيضًا (لينفذ) بدلًا من (ليتغنى) .

وروى البيهقي في (الشعب) (2/300) عن الحسن بن عمرو قال: سمعت بشرًا [بن الحارث] يقول: ما أقبح أن يُطْلَبَ العالمُ فيقال: هو بباب الأمير.

وروى البيهقي في (الشعب) (2/300) كذلك عن أبي بكر الأثرم حدثنا عبد الصمد بن زيد قال: (سمعت الفضيل بن عياض يقول: آفة القراء العجب، واحذر أبواب الملوك فإنها تزيل النعم؛ فقيل له: يا أبا علي كيف تزيل النعم؟ قال: الرجل يكون عليه من الله نعمة ليست له إلى خلق حاجة؛ فإذا دخل إلى هؤلاء الملوك فرأى ما بسط الله لهم في الدور والخدم استصغر ما هو فيه ومن ثَمَّ تزول النعم) ؛ ووقع في مطبوعة (الشعب) : (ومن ثم تزيل) فجعلتها (تزول) تبعًا لما في (ما رواه الأساطين) نقلًا من (الشعب) .

وفيما يلي جملة من آثار هذا الباب مما ذكره السيوطي في (ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين) :

أخرج أبو الحسن بن فهر في كتاب (فضائل مالك) ، عن عبد الله بن رافع وغيره قال: قدم هارون الرشيد المدينة، فوجه البرمكي إلى مالك، وقال له: احمل إليّ الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك؛ فقال للبرمكي: أقرئه السلام، وقل له: إنَّ العلم يزار ولا يزور؛ فرجع البرمكي إلى هارون الرشيد، فقال له: يا أمير المؤمنين! يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك في أمر فخالفك! اعزمْ عليه حتى يأتيك؛ فأرسل إليه فقال: قل له: يا أمير المؤمنين لا تكن أول من وضع العلم فيضعك الله.

روى غنجار في (تاريخه) عن ابن منير: أن سلطان بخارى، بعث إلى محمد بن إسماعيل البخاري يقول: احمل إليّ كتاب (الجامع) و (التاريخ) لأسمع منك؛ فقال البخاري لرسوله: قل له: أنا لا أذل العلم، ولا آتي أبواب السلاطين؛ فإن كانت لك حاجة إلى شيء منه، فلتحضرني في مسجدي أو في داري.

قال الخطيب البغدادي في كتاب (رواه مالك) : كتب إليّ القاضي أبو القاسم الحسن بن محمد بن الأنباري، من مصر، أنبأنا محمد بن أحمد بن المسور، نبأنا المقدام بن داود الرعيني، نبأنا علي ابن معبد، نبأنا إسحاق بن يحيى، عن مالك بن أنس رحمه الله، قال: أدركت بضعة عشر رجلًا من التابعين يقولون: لا تأتوهم، ولا تأمروهم، يعني السلطان.

روى ابن باكويه الشيرازي في (أخبار الصوفية) عن عبيد الله بن محمد القرشي، قال: كنا مع سفيان الثوري بمكة، فجاءه كتاب من عياله من الكوفة: بلغت بنا الحاجة أنا نقلي النوى فنأكله فبكى سفيان؛ فقال له بعض أصحابه: يا أبا عبد الله لو مررت إلى السلطان، صرت إلى ما تريد! فقال سفيان: والله لا أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها.

روى ابن باكويه عن أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان: تخالف العلماء؟ فغضب وقال: أرأيت عالمًا يأتي باب السلطان فيأخذ دراهمهم؟!

روى ابن باكويه عن سفيان الثوري قال: إن فجار القراء اتخذوا سلّمًا إلى الدنيا فقالوا: ندخل على الأمراء نفرج عن مكروب ونكلم في محبوس.

أخرج ابن باكويه، عن الفضيل بن عياض، قال: لو أن أهل العلم أكرموا على أنفسهم وشحوا على دينهم، وأعزوا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله، لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس، واشتغلوا بما يعنيهم، وعزَّ الإسلامُ وأهله، لكنهم استذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم، إذا سلمت لهم دنياهم؛ وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا ما في أيديهم، فذلوا وهانوا على الناس.

أخرج أبو علي الآمدي في (تعليقه) عن عمار بن سيف، أنه سمع سفيان الثوري يقول: النظر إلى السلطان خطيئة.

قال الآمدي: حدثني أبو العباس، قال: سمعت: قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان في حياة أبيه يريد الحج: فنزل في دار إسحاق بن إبراهيم، فوجه إسحاق إلى العلماء، فأحضرهم ليراهم طاهر، ويقرأ عليهم؛ فحضر أصحاب الحديث والفقه، وأحضَرَ ابنَ الأعرابي، وأبا نصر صاحب الأصمعي؛ ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور، فأبى أن يحضر، وقال: العلم يُقصد؛ فغضب إسحاق من قوله ورسالته، وكان عبد الله بن طاهر جرى له في الشهر ألفي درهم، فلم يوجه إليه إسحاق، وقطع [أي إسحاق] الرزق عنه [أي عن أبي عبيد] ؛ وكتب إلى عبد الله بالخبر، فكتب إليه: قد صدق أبو عبيد في قوله، وقد أضعفتُ الرزق له من أجل فعله؛ فأعطه؛ فأتاه ورد عليه بعد ذلك ما يستحقه.

أخرج ابن النجار في (تاريخه) عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون ليحيى بن أكثم: إني أشتهي أن أرى بشر بن الحارث. قال: إذا اشتهيت يا أمير المؤمنين، فإلى الليلة، ولا يكون معنا بشر؛ فركبا، فدق يحيى الباب، فقال: بشر: من هذا؟ قال: من تجب عليك طاعته؛ قال: وأي شيء تريد؟ قال: أحب لقاك؛ فقال بشر: طائعًا أو مكرهًا؟ قال: ففهم المأمون، فقال ليحيى: اركب؛ فمر على رجل يقيم الصلاة صلاة العشاء الآخرة، فدخلا يصليان، فإذا الإمام حسن القراءة، فلما أصبح المأمون وجه إليه، فجاء به فجعل يناظره في الفقه، وجعل الرجل يخالفه، ويقول: القول في هذه المسألة خلاف هذا فغضب المأمون؛ فلما كثر خلافه قال: عهدي بك، كأنك تذهب إلى أصحابك فتقول: خطَّأْتُ أميرَ المؤمنين؛ فقال: والله يا أمير المؤمنين إني لأستحي من أصحابي أن يعلموا أني جئتك! فقال المأمون: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من يستحي أن يجيئني، ثم سجد لله شكرًا؛ والرجل إبراهيم بن إسحاق الحربي.

أخرج ابن النجار في (تاريخه) عن سفيان الثوري قال: ما زال العلم عزيزًا، حتى حمل إلى أبواب الملوك، فأخذوا عليه أجرًا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم، ومنعهم العلم به.

تنبيه: قال السيوطي في (ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين) عقب روايته لجملة من الأحاديث والآثار الناهية عن مخالطة السلاطين والأمراء:

(ذهب جمهور العلماء من السلف، وصلحاء الخلف إلى أن هذه الأحاديث والآثار جارية على إطلاقها، سواء دعوه إلى المجيء إليهم، أم لا، وسواء دعوه لمصلحة دينية أم لغيرها.

قال سفيان الثوري: إن دعوك لتقرأ عليهم: قل هو الله أحد، فلا تأتهم؛ رواه البيهقي---)؛ ثم راح السيوطي يذكر آثارًا أخرى كثيرة في هذا الباب أعني باب عدم مجيء العلماء إلى السلاطين ومنها بعض الآثار المتقدمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت