فهرس الكتاب
الفتن وتغير أحوال الناس (1)
(1) مما لعله يناسب هذا الباب هاتان الرسالتان الخطيرتان من إمامين زاهدين:
الأولى: رسالة إمام الزهد والتفسير والحديث والفقه والولاء والبراء سفيان الثوري رحمه الله، إلى العابد الزاهد الحكيم العالم الورع الناصح عباد بن عباد.
والثانية: رسالة عباد هذا إلى إخوانه يعظهم وينصحهم؛ وفيما يلي نص الرسالتين:
الرسالة الأولى: رسالة الثوري إلى عباد بن عباد:
قال ابن أبي حاتم في (تقدمة الجرح والتعديل) (1/86-89) :
(حدثنا إسماعيل بن إسرائيل السلال حدثننا الفريابي قال: كتب سفيان بن سعيد إلى عباد بن عباد فقال:
من سفيان بن سعيد إلى عباد بن عباد:
سلام عليك.
فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو؛ أما بعد، فإنّي أوصيك بتقوى الله؛ فإن اتقيتَ الله عزَّ وجلَّ كفاك الناس؛ وإن اتقيتَ الناسَ لم يُغْنوا عنك من الله شيئًا.
سألت أن أكتب إليك كتابًا أصف لك فيه خِلالًا تَصْحَبُ بها أهلَ زمانِك، وتؤدّي إليهم ما يحقُّ لهم عليك، وتسألُ الله عز وجل الذي لك.
وقد سألتَ عن أمر جسيمٍ الناظرونَ فيه اليومَ، المقيمون به: قليل؛ بل لا أعلم مكان أحد؛ وكيف يستطاع ذلك وقد كدر هذا الزمان؟!
إنه ليشتبه الحق والباطل، ولا ينجو من شرِّه إلا من دعا بدعاء الغريق؛ فهل تعلم مكان أحد هكذا؟
وكان يقال: يوشك أن يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حكيم.
فعليك بتقوى الله عز وجل؛ والزم العزلة، واشتغل بنفسك، واستأنس بكتاب الله عزَّ وجلَّ، واحذر الأمراء، وعليك بالفقراء والمساكين، والدنو منهم.
فإن استطعتَ أن تأمرَ بخير في رفق، فإنْ قُبل منك حمدتَ الله عزَّ وجلَّ؛ وإن رُدَّ عليك أقبلتَ على نفسك، فإنَّ لك فيها شغلًا.
واحذر المنزلة وحبَّها، فإنَّ الزهدَ فيها أشدُّ من الزهد في الدنيا.
وبلغني أنَّ أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يتعوذون أنْ يدركوا هذا الزمان، وكان لهم من العلم ما ليس لنا؛ فكيف بنا حين أدركنا على قلة علم وبصر وقلة صبر وقلة أعوان على الخير مع كدر من الزمان وفساد من الناس؟!
وعليك بالأمر الأول، والتمسك به؛ وعليك بالخمول، فإنَّ هذا زمان خمول؛ وعليك بالعزلة وقلة مخالطة الناس، فإنَّ عمرَ بنَ الخطاب رضي الله عنه قال: (إياكم والطمع، فإن الطمعَ فقر، واليأس غنى؛ وفي العزلة راحة من خلاط السوء) ؛ وكان سعيد بن المسيب يقول: العزلة عبادة.
وكان الناس إذا التقوا انتفع بعضهم ببعض؛ فأما اليوم فقد ذهب ذلك، والنجاة في تركهم فيما نرى.
وإياك والأمراء والدنو منهم وأن تخالطهم في شيء من الأشياء؛ وإياك أن تُخدَع فيقال لك: تشفع تشفع وتدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة [في الأصل: فترد عن مظلوم أو مظلمة؛ والتصحيح من حلية الأولياء] ؛ فإن تلك خدعة إبليس، وإنما اتخذها فجار القراء سلمًا؛ وكان يقال: اتقوا فتنة العابد الجاهل، وفتنة العالم الفاجر، فإنَّ فتنتهما فتنة لكل مفتون.
وما كفيت المسألة والفتيا فاغتنم ذلك؛ ولا تنافسهم؛ وإياك أن تكون ممن يحبُّ أنْ يُعمَلَ بقوله ويُنشَرَ قوله أو يُسمَع منه، [فاذا تُرك ذاك منه عُرف فيه] ؛ [زيادة من كتاب الحلية] .
وإياك وحب الرياسة، فإن من الناس من تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة؛ وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة.
واحذر الرئاء، فإن الرئاء أخفى من دبيب النمل؛ وقال حذيفة: (سيأتي على الناس زمان يعرض على الرجل الخير والشر فلا يدرى أيما يركب) ؟ وقد ذُكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تزال يد الله عز وجل على هذه الأمة، وفي كنفه، وفي جواره وجناحه، ما لم يَمِلْ قرّاؤهم إلى أمرائهم، وما لم يبرَّ خيارُهم أشرارَهم، وما لم يعظم أبرارُهم فجّارَهم فإذا فعلوا ذلك رفعها عنهم وقذف في قلوبهم الرعب، وأنزل بهم الفاقة، وسلط عليهم جبابرتهم فساموهم سوء العذاب) ؛ وقال: (إذا كان ذلك لا يأتيهم أمر يضجون منه إلا أردفه بآخر يشغلهم عن ذلك) .
فليكن الموت من شأنك ومن بالك؛ وأقِلَّ الأملَ، وأكثرْ ذكر الموت، فإنك إنْ أكثرت ذكر الموت هان عليك أمر دنياك؛ وقال عمر: (أكثروا ذكر الموت، فإنكم إن ذكرتموه في كثير قلله؛ وإن ذكرتموه في قليل كثره؛ واعلموا أنه قد حان للرجل يشتهي الموت) .
أعاذنا الله وإياك من المهالك، وسلك بنا وبك سبيل الطاعة).
ورواه باختصار أبو نعيم في (حلية الأولياء) (6/376-377) .
الرسالة الثانية: رسالة عباد بن عباد:
قال الدارمي في (سننه) (1/166-169) : (باب في رسالة عباد بن عباد الخواص الشامي:
[649] : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ الْخَوَّاصِ الشَّامِيِّ أَبِي عُتْبَةَ قَالَ:
أَمَّا بَعْدُ، اعْقِلُوا، وَالْعَقْلُ نِعْمَةٌ، فَرُبَّ ذِي عَقْلٍ قَدْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِالتَّعَمُّقِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، عَنِ الانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، حَتَّى صَارَ عَنْ ذَلِكَ سَاهِيًا.
وَمِنْ فَضْلِ عَقْلِ الْمَرْءِ تَرْكُ النَّظَرِ فِيمَا لا نَظَرَ فِيهِ، حَتَّى لا يَكُونَ فَضْلُ عَقْلِهِ وَبَالًا عَلَيْهِ فِي تَرْكِ مُنَافَسَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، أَوْ رَجُل شُغِلَ قَلْبُهُ بِبِدْعَةٍ قَلَّدَ فِيهَا دِينَهُ رِجَالًا دُونَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوِ اكْتَفَى بِرَأْيِهِ فِيمَا لا يَرَى الْهُدَى إِلا فِيهَا وَلا يَرَى الضَّلالَةَ إِلا بِتَرْكِهَا، يَزْعُمُ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى فِرَاقِ الْقُرْآنِ، أَفَمَا كَانَ لِلْقُرْآنِ حَمَلَةٌ قَبْلَهُ وَقَبْلَ أَصْحَابِهِ يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ، وَكَانُوا مِنْهُ عَلَى مَنَارٍ كَوَضَحِ الطَّرِيقِ؟! فَكَانَ الْقُرْآنُ إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِمَامًا لأَصْحَابِهِ؛ وَكَانَ أَصْحَابُهُ أَئِمَّةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ؛ رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ مَنْسُوبُونَ فِي الْبُلْدَانِ، مُتَّفِقُونَ فِي الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ الأَهْوَاءِ، مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الاخْتِلافِ.
وَتَسَكَّعَ أَصْحَابُ الأَهْوَاءِ بِرَأْيِهِمْ فِي سُبُلٍ مُخْتَلِفَةٍ جَائِرَةٍ عَنِ الْقَصْدِ مُفَارِقَةٍ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَتَوَّهَتْ بِهِمْ أَدِلّاؤُهُمْ فِي مَهَامِهَ مُضِلَّةٍ، فَأَمْعَنُوا فِيهَا مُتَعَسِّفِينَ فِي تِيهِهِمْ، كُلَّمَا أَحْدَثَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ بِدْعَةً فِي ضَلالَتِهِمُ انْتَقَلُوا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، لأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا أَثَرَ السَّالِفِينَ، وَلَمْ يَقْتَدُوا بِالْمُهَاجِرِينَ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِزِيَادٍ: (هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلامَ؟ زَلَّةُ عَالِمٍ وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ) .
اتَّقُوا اللَّهَ وَمَا حَدَثَ فِي قُرَّائِكُمْ وَأَهْلِ مَسَاجِدِكُمْ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ النَّاسِ بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْن؛، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي النَّارِ.
يَلْقَاكَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ فَيَغْتَابُ عِنْدَكَ مَنْ يَرَى أَنَّكَ تُحِبُّ غِيبَتَهُ، وَيُخَالِفُكَ إِلَى صَاحِبِكَ فَيَأْتِيهِ عَنْكَ بِمِثْلِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا حَاجَتَهُ، وَخَفِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا أتى بِهِ عِنْدَ صَاحِبِهِ؛ حُضُورُهُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ حُضُورُ الإِخْوَان،ِ وَغَيْبَتُهُ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ غَيْبَةُ الأَعْدَاءِ؛ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ الأَثَرَةُ، وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ، يَفْتِنُ مَنْ حَضَرَهُ بِالتَّزْكِيَةِ، وَيَغْتَابُ مَنْ غَابَ عَنْهُ بِالْغِيبَةِ، فَيَا لَعِبَادَ اللَّهِ أَمَا فِي الْقَوْمِ مِنْ رَشِيدٍ وَلا مُصْلِحٍ يَقْمَعُ هَذَا عَنْ مَكِيدَتِهِ وَيَرُدُّهُ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟
بَلْ عَرَفَ هَوَاهُمْ فِيمَا مَشَى بِهِ إِلَيْهِمْ، فَاسْتَمْكَنَ مِنْهُمْ، وَأَمْكَنُوهُ مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَكَلَ بِدِينِهِ مَعَ أَدْيَانِهِمْ؛ فَاللَّهَ اللَّهَ ذُبُّوا عَنْ حُرَمِ أَغْيَابِكُمْ وَكُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْهُمْ إِلا مِنْ خَيْرٍ، وَنَاصِحُوا اللَّهَ فِي أُمَّتِكُمْ إِذْ كُنْتُمْ حَمَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ لا يَنْطِقُ حَتَّى يُنْطَقَ بِهِ، وَإِنَّ السُّنَّةَ لا تَعْمَلُ حَتَّى يُعْمَلَ بِهَا.
فَمَتَى يَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ إِذَا سَكَتَ الْعَالِمُ فَلَمْ يُنْكِرْ مَا ظَهَرَ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِمَا تُرِكَ؟ (وقد أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران 187] .
اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ رَقَّ فِيهِ الْوَرَعُ، وَقَلَّ فِيهِ الْخُشُوعُ، وَحَمَلَ الْعِلْمَ مُفْسِدُوهُ، فَأَحَبُّوا أَنْ يُعْرَفُوا بِحَمْلِهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُعْرَفُوا بِإِضَاعَتِهِ، فَنَطَقُوا فِيهِ بِالْهَوَى لِما أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الْخَطَإِ، وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَمَّا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ إِلَى مَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ بَاطِلٍ، فَذُنُوبُهُمْ ذُنُوبٌ لا يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا، وَتَقْصِيرُهُمْ تَقْصِيرٌ لا يُعْتَرَفُ بِهِ، كَيْفَ يَهْتَدِي الْمُسْتَدِلُّ الْمُسْتَرْشِدُ إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ حَائِرًا؟ أَحَبُّوا الدُّنْيَا وَكَرِهُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِهَا فَشَارَكُوهُمْ فِي الْعَيْشِ وَزَايَلُوهُمْ بِالْقَوْلِ، وَدَافَعُوا بِالْقَوْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى عَمَلِهِمْ، فَلَمْ يَتَبَرَّءُوا مِمَّا انْتَفَوْا مِنْهُ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِيمَا نَسَبُوا إِلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ، لأَنَّ الْعَامِلَ بِالْحَقِّ مُتَكَلِّمٌ وَإِنْ سَكَتَ؛ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَنْظُرُ إِلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ لِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا وَوَقَارًا لِي، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) [الجمعة 5] كُتُبًا؛ وقال: (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) [البقرة 63] ؛ قَالَ: الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ.
وَلا تَكْتَفُوا مِنَ السُّنَّةِ بِانْتِحَالِهَا بِالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّ انْتِحَالَ السُّنَّةِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا كَذِبٌ بِالْقَوْلِ مَعَ إِضَاعَةِ الْعَمَلِ، وَلا تَعِيبُوا بِالْبِدَعِ تَزَيُّنًا بِعَيْبِهَا، فَإِنَّ فَسَادَ أَهْلِ الْبِدَعِ لَيْسَ بِزَائِدٍ فِي صَلَاحِكُمْ، وَلا تَعِيبُوهَا بَغْيًا عَلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ الْبَغْيَ مِنْ فَسَادِ أَنْفُسِكُمْ؛ وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُدَاوِيَ الْمَرْضَى بِمَا يُبَرِّئُهُمْ وَيُمْرِضُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ اشْتَغَلَ بِمَرَضِهِ عَنْ مُدَاوَاتِهِمْ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَمِسَ لِنَفْسِهِ الصِّحَّةَ لِيَقْوَى بِهِ عَلَى عِلاجِ الْمَرْضَى.
فَلْيَكُنْ أَمْرُكُمْ فِيمَا تُنْكِرُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ نَظَرًا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَنَصِيحَةً مِنْكُمْ لِرَبِّكُمْ، وَشَفَقَةً مِنْكُمْ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، وَأَنْ تَكُونُوا مَعَ ذَلِكَ بِعُيُوبِ أَنْفُسِكُمْ أَعْنَى مِنْكُمْ بِعُيُوبِ غَيْرِكُمْ، وَأَنْ يَسْتَطْعِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا النَّصِيحَةَ، وَأَنْ يَحْظَى عِنْدَكُمْ مَنْ بَذَلَهَا لَكُمْ وَقَبِلَهَا مِنْكُمْ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه: (رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي) .
تُحِبُّونَ أَنْ تَقُولُوا فَيُحْتَمَلَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ مِثْلُ الَّذِي قُلْتُمْ غَضِبْتُمْ.
تَجِدُونَ عَلَى النَّاسِ فِيمَا تُنْكِرُونَ مِنْ أُمُورِهِمْ، وَتَأْتُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلا تُحِبُّونَ أَنْ يُوجَدَ [في بعض النسخ: يؤحذ] عَلَيْكُم.
اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ وَرَأْيَ أَهْلِ زَمَانِكُمْ؛ وَتَثَبَّتُوا قَبْلَ أَنْ تَكَلَّمُوا؛ وَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ تَعْمَلُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، وَيَكُونُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ فِيهِ مَعْرُوفًا؛ فَكَمْ مِنْ مُتَقَرِّبٍ إِلَى اللَّهِ بِمَا يُبَاعِدُهُ، وَمُتَحَبِّبٍ إِلَيْهِ بِمَا يُغْضِبُهُ عَلَيْه،ِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) الآيَةَ [فاطر 8] .
فَعَلَيْكُمْ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ حَتَّى يَبْرُزَ لَكُمْ وَاضِحُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ الدَّاخِلَ فِيمَا لا يَعْلَمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ آثِمٌ، وَمَنْ نَظَرَ لِلَّهِ نَظَرَ اللَّهُ لَهُ.
عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَأْتَمُّوا بِهِ وَأُمُّوا بِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِطَلَبِ أَثَرِ الْمَاضِينَ فِيهِ.
وَلَوْ أَنَّ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ لَمْ يَتَّقُوا زَوَالَ مَرَاتِبِهِمْ وَفَسَادَ مَنْزِلَتِهِمْ بِإِقَامَةِ الْكِتَابِ وَتِبْيَانِهِ مَا حَرَّفُوهُ وَلا كَتَمُوهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا خَالَفُوا الْكِتَابَ بِأَعْمَالِهِمُ الْتَمَسُوا أَنْ يَخْدَعُوا قَوْمَهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، مَخَافَةَ أَنْ تَفْسُدَ مَنَازِلُهُمْ وَأَنْ يَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ فَسَادُهُمْ، فَحَرَّفُوا الْكِتَابَ بِالتَّفْسِيرِ، وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا تَحْرِيفَهُ كَتَمُوهُ، فَسَكَتُوا عَنْ صَنِيعِ أَنْفُسِهِمْ إِبْقَاءً عَلَى مَنَازِلِهِمْ، وَسَكَتُوا عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُمْ مُصَانَعَةً لَهُمْ، وقد (أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران 187] ؛ بَلْ مَالَئُوا عَلَيْهِ وَرَقَّقُوا لَهُمْ فِيهِ).
وقد (أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران 187] .
وروى هذه الرسالة مختصرةً أبو نعيم في (الحلية) (8/282) .
فائدة: قال ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) (6/83) : (عباد بن عباد أبو عتبة الخواص، من أهل فارس، سكن الشام، وهو الأرسوفي، من العباد، روى عن يحيى بن أبى عمرو السيباني ويونس بن عبيد؛ روى عنه ضمرة ورواد بن الجراح وأبو مسهر، سمعت أبي يقول ذلك؛ أنا يعقوب بن إسحاق فيما كتب إلي قال: أنا عثمان بن سعيد قال: قلت ليحيى بن معين: عباد بن عباد؟ فقال: عباد الخواص الذي كان ينزل الرملة ثقة) ؛ انتهى؛ واشتهر عباد هذا بأبي عبيدة، وإنما هو أبو عتبة.