الصفحة 549 من 603

غربة المؤمنين وكثرة إيذاء الناس لهم (1)

(1) إذا كان السلف يشكون من الغربة، فغربتنا أشد وأظهر؛ وهذا يقتضي منا مزيدًا من الحذر وشديدًا من الاجتهاد.

فاليوم تغيرت الأحوال وساءت الأمور وضاقت الصدور، وكبرت الكروب ومرضت القلوب وكثر الزيف وفقدت الأصالة؛ ونُسيت الأخلاق؛ وازدحمت الفتن وتلاطمت أمواجها؛ وعمت المحن وتزاحمت أفواجها، وكثر الإعراض عن الدين بل الاستهزاء به وبأهله، وكذَّبت الأفعالُ الأقوالَ، وحقق الشيطانُ وحزبُه كثيرًا مما كان عصيًا عليهم.

والمسلمون رغم كل ما هم فيه من بلايا وآفات مختلفون متنازعون غافلون أو متغافلون تاركون لسبب نجاتهم وثباتهم وسعادتهم - بل وحياتهم - وعزهم وألفتهم ونصرهم وقوتهم، أعني دينهم العظيم.

وما أعجب غفلتهم! وما أقبحها! كأنهم لا يرون بأعينهم ما يجري عليهم - ولا أقول: حولهم - كأن المعنيَّ بالأمر غيرهم، وكأنَّ المراد بهذه السهام المسمومة سواهم، يتجاهلون ما هو كائن فكيف يحذرون ما سيكون؟! وإن ما ينتظرهم لأدهى وأمر، فمتى يعتبرون، بل متى يعلمون، بل متى يشعرون؟

لقد أسمعتَ لو ناديت حيًا ولكن لا حياة لمن تنادي

ولو نارًا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد

إن القلب ليألم أن يرى أهلَ الباطل في هذه الأعصر - مع كثرتهم لا كثَّرهم الله - أنشطَ من أهل الحق في دعوتهم وأرفع منهم في همتهم وأسرع منهم في سيرهم وأبرع في نشر شرهم منهم في بث خيرهم.

ولقد صور حالنا من قال قديمًا: (قد قل المُوالي من الناس وكثر الخَوان، وارتفعت الأسعار وقلت البركات، وتوالت الأكدار وكثرت الآفات، وتقطبت وجوه الآمال وقد كانت مستنيرةً مستبشرة، واكفهرَّت ثغور الأيام وطال ما كانت ضاحكة مسفرة، وتكدرت مشارع الآلاء وقد كانت صافية، وتقلصت سوابغ النعماء بعد ما كانت ضافية، وتظاهر بالمنكرات الفاجر والبر، وظهر الفساد في البر والبحر، وفقد من يُقْصدُ إليه في الحوائج إذا جلَّتْ، وعُدم من يُعَوَّلُ عليه في الجوانح إذا حلَّت، وقل من يعوذ به كل هارب وراهب، وعزَّ من يلوذ به كل طالب وراغب، وكثرت الشحناء بين الأقارب والأجانب، ودارت رحى الحرب الزبون من كل جانب، وعمت الأنامَ الحيرةُ والذلةُ عمومَ المطر، وأحاط بهم الرعبُ والخذلانُ إحاطة الهالة بالقمر، وعم عدوان المارقين وانتشر شرهم، وعِيْلَ صبر المتقين وعال ضرهم، وتقطعت السبل وانسدت المسالك، وترادفت الفتن وكثرت المهالك، فجمحت النفوس إلى كشف هذه الغمة عن الأمة، وجنحت القلوب إلى شعب صدع هذه الصدمة وقلنا: كيف السبيل إلى الخلاص، ولاتَ حين مناص) .

ولقد كنا أولى بقول ابن القيم من أهل عصره أو مصره إذ قال:(لما أعرض الناسُ عن تحكيم الكتاب والسنة والمحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعدلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ، عرضَ لهم من ذلك فسادٌ في فِطَرهم وظلمة في قلوبهم وكدر في أفهامهم ومحق في عقولهم؛ وعمتهم هذه الأمور، وغلبت عليهم، حتى ربي فيها الصغير وهرم عليها الكبير، فلم يروها منكرًا، فجاءتهم دولة أخرى قامت فيها البدع مقام السنن، والنفس مقام العقل، والهوى مقام الرشد، والضلال مقام الهدى، والمنكر مقام المعروف، والجهل مقام العلم، والرياء مقام الإخلاص، والباطل مقام الحق، والكذب مقام الصدق، والمداهنة مقام النصيحة، والظلم مقام العدل؛ فصارت الدولة والغلبة لهذه الأمور، وأهلُها هم المشار إليهم؛ وكانت قبل ذلك لأضدادها، وكان أهلها هم المشار إليهم.

فإذا رأيتَ دولةَ هذه الأمورِ قد أقبلتْ، وراياتِها قد نُصِبتْ، وجيوشَها قد رَكِبت، فبطن الأرض، واللهِ، خيرٌ من ظهرها، وقلَلُ الجبال خير من السهول، ومخالطة الوحش أسلم من مخالطة الناس.

اقشعرَّت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر، من ظلم الفجرة.

وذهبت البركاتُ وقلت الخيراتُ وهزلتِ الوحوشُ وتكدرت الحياةُ، من فسق الظلمة.

وبكى ضوءُ النهارِ وظلمةُ الليلِ، من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة.

وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم، من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبايح.

وهذا والله منذرٌ بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهَمَّ ظلامه!.

فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غلق وبالجناح وقد علق وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون؛ اشتر نفسك اليوم فإن السوق قائمة والثمن موجود والبضايع رخيصة؛ وسيأتي على تلك السوق والبضايع يوم لا تصل فيها إلى قليل ولا كثير؛ ذلك يوم التغابن يوم يعض الظالم على يديه.

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى وأبصرت يوم الحشر من قد تزودا

ندمت على أن لا تكون كمثله وأنك لم تَرْصد كما كان أرصدا)

انتهى.

أفلا ترى معي أنهما يصفان حالنا ويعبران عن بؤسنا وشقائنا.

إن هذا الشأن يقتضي من كل مسلم محب لدينه خائف من ربه أن يخاف على دينه خوفًا شديدًا ويكثر الدعاء بالثبات ويأخذ بأسبابه ثم يعين بقدر وسعه وطاقته إخوانه على الثبات في هذه المزالق الخطيرة، يعلِّم جاهلَهم أمرَ دينه، ويحذر غافلهم خطر عدوه، يأخذ بأيدي الحائرين إلى جادة السلامة وصراط الاستقامة، ويجهد نفسه في تحذير اللاهين اللاعبين ما يحيط بهم من شرور ومخاطر تستهدف دينهم قبل دنياهم، وتمرض أخلاقهم قبل أجسادهم، وتستهدف هتك أعراضهم قبل سلب أموالهم؛ وإنها والله لأحوال مرعبة ومصائب موجعة، لو كان في القلوب حياة وفي العقول إدراك.

يا حسرة ما أكاد أحملها آخرها مزعج وأولها

إذا كان هذا حال المسلمين اليوم، فما ظنك بحال طلبة العلم والدعاة؟ ما أصعب وظيفتهم وما أخطر مهمتهم وما أثقل وأبعد ما يطلبون؛ أسأل الله أن يعين ويثبت كل من يريد الحق ويريد أن ينصره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت