الصفحة 553 من 603

قال عبدُ ربِّه بنُ صالحٍ: دُخلَ (1) على مكحول في مرضِه الذي ماتَ فيه فقيل له: أحسَنَ اللهُ عافيتَكَ… أبا عبدِ الله، فقالَ: اللحاقُ (2) بمن يُرجَى عفوُه خيرٌ من البقاءِ مع من لا يؤمَنُ شرُّه؛ وزاد غيرُ عبدِ ربِّه: شياطين الإنس وإبليس وجنوده (3) . (5/177)

قال مكحول: ذلَّ من لا سفيه له. (تاريخ اصبهان 2/262)

الخلوة والعزلة (4)

(1) كذا في الأصل، ولعلها (دخلت) .

(2) في الأصل (ألا لحاق) .

(3) هذا بيان للذين لا يؤمن شرهم.

ومما يدخل في هذا الباب الأثر التالي:

عن لقمان بن عامر أنه سمع أبا أمامة الباهلي يقول: المؤمن في الدنيا بين كافر يقتله ومنافق يبغضه ومؤمن يحسده وشيطان قد وكل به. (صفة المنافق ص67)

وقال ابن القيم في (الفوائد) (ص48) : (كيف يسلم من له زوجة لا ترحمه وولد لا يعذره وجار لا يأمنه وصاحب لا ينصحه وشريك لا ينصفه وعدو لا ينام عن معاداته ونفس أمارة بالسوء ودنيا متزينة وهوى مرْدٍ وشهوة غالبة له وغضب قاهر وشيطان مزيِّن وضعف مستول عليه؟! فإن تولاه الله وجذبه إليه انقهرت له هذه كلها وإن تخلى عنه ووكله إلى نفسه اجتمعت عليه فكانت الهلكة) .

(4) قال الإمام أبو سليمان الخطابي في (العزلة) : (الفرقة فرقتان: فرقة الآراء والأديان، وفرقة الأشخاص والأبدان؛ والجماعة جماعتان: جماعة هي الأئمة والأمراء، وجماعة هي العامة والدهماء .

فأما الإفتراق في الآراء والأديان فإنه محظور في العقول محرم في قضايا الأصول، لأنه داعية الضلال وسبب التعطيل والإهمال .

ولو ترك الناس متفرقين لتفرقت الآراء والنحل ولكثرت الأديان والملل ،ولم تكن فائدة في بعثة الرسل؛ وهذا هو الذي عابه الله عز وجل من التفرق في كتابه وذمَّه في الآي التي تقدم ذكرها .

وعلى هذه الوتيرة يجري الأمر أيضًا في الافتراق على الأئمة والأمراء، فإن في مفارقتهم مفارقة الألفة وزوال العصمة والخروج من كنف الطاعة وظل الأمنة؛ وهو الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه وأراده بقوله صلى الله عليه وسلم ( من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية ) ، وذلك أن أهل الجاهلية لم يكن لهم إمام يجمعهم على دين ويتألفهم على رأي واحد، بل كانوا طوائف شتى وفرقًا مختلفين، آراؤهم متناقضة، وأديانهم متباينة؛ وذلك الذي دعا كثيرًا منهم إلى عبادة الأصنام وطاعة الأزلام، رأيًا فاسدًا اعتقدوه في أن عندها خيرًا، وأنها تملك لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا .

وأما عزلة الأبدان ومفارقة الجماعة التي هي العوام فإن من حكمها أن تكون تابعة للحاجة وجارية مع المصلحة؛ وذلك أن عظم الفائدة في اجتماع الناس في المدن وتجاورهم في الأمصار إنما هو أن يتضافروا فيتعاونوا على المصالح ويتآزروا فيها إذ كانت مصالحهم لا تكمل إلا به ومعايشهم لا تزكو إلا عليه .

فعلى الإنسان أن يتأمل حال نفسه فينظر في أية طبقة يقع منهم، وفي أية جنبة ينحاز من جملتهم؟ فإن كانت أحواله تقتضيه المقام بين ظهراني العامة لما يلزمه من إصلاح المهنة التي لا غنية له عنها ولا يجد بدًا من الاستعانة بهم فيها، ولا وجه لمفارقتهم في الدار ومباعدتهم في السكن والجوار، فإنه إذا فعل ذلك تضرر بوحدته، وأضر بمن وراءه من أهله وأسرته .

وإن كانت نفسه بكلها مستقلة، وحاله في ذاته وذويه متماسكة، فالاختيار له في هذا الزمان اعتزال الناس ومفارقة عوامهم، فإن السلامة في مجانبتهم والراحة في التباعد منهم .

ولسنا نريد - رحمك الله - بهذه العزلة التي نختارها مفارقة الناس في الجماعات والجمعات، وترك حقوقهم في العبادات، وإفشاء السلام ورد التحيات، وما جرى مجراها من وظائف الحقوق الواجبة لهم، وصنائع السنن والعادات المستحسنة فيما بينهم، فإنها مستثناة بشرائطها، جارية على سبيلها، ما لم يحل دونها حائل شغل ولا يمنع عنها مانع عذر .

إنما نريد بالعزلة ترك فضول الصحبة ونبذ الزيادة منها، وحط العلاوة التي لا حاجة بك إليها، فإن من جرى في صحبة الناس والاستكثار من معرفتهم على ما يدعو إليه شغف النفوس وإلف العادات وترَكَ الاقتصادَ فيها والاقتصارَ الذي تدعوه الحاجة إليه: كان جديرا ألا يحمد غبه، وأن تستوخم عاقبته، وكان سبيله في ذلك سبيل من يتناول الطعام في غير أوان جوعه، ويأخذ منه فوق قدر حاجته، فإن ذلك لا يلبث أن يقع في أمراض مدنفة وأسقام متلفة؛ وليس من علم كمن جهل، ولا من جرّب وامتحن كمن مادَ وخاطر ). انتهى؛ ومعنى (ماد) : تحرك واضطرب.

وذكر ابن الجوزي كما في (مختصر منهاج القاصدين) (ص144) بعض فوائد العزلة فقال:(التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض لها الإنسان غالبًا بالمخالطة، وهى أربعة:

أحدهما: الغيبة، فإن عادة الناس التمضمض بالأعراض والتفكه بها، فإن خالطتهم ووافقتهم أثمتَ وتعرضت لسخط الله تعالى؛ وإن سكتَّ كنتَ شريكًا، فإن المستمع أحد المغتابين، وإن أنكرت أبغضوك واغتابوك، فازدادوا غيبة إلى الغيبة، وربما خرجوا إلى الشتم .

الثانية: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن من خالط الناس لم يخل عن مشاهدة المنكرات، فإن سكتَ عصى الله، وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر، في العزلة سلامة من هذا .

الثالثة: الرياء، وهو الداء العضال الذي يعسر الاحتراز منه، وأول ما في مخالطة الناس إظهار التشوق إليهم، ولا يخلو ذلك عن الكذب، إما في الأصل، وإما في الزيادة، وقد كان السلف يحترزون في جواب قول القائل: كيف أصبحت، وكيف أمسيت ؟ كما قال بعضهم وقد قيل له: كيف أصبحت ؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين، نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا .

واعلم: أنه إذا كان سؤال السائل لأخيه: كيف أصبحت ؟ لا يبعثه عليه شفقة ولا محبة، كان تكلفًا أو رياء، وربما سأله وفي القلب ضغن وحقد يورث؟؟ أن يعلم فساد حاله؛ وفي العزلة الخلاص من هذا، لأنه من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم، مقتوه واستثقلوه واغتابوه، ويذهب دينهم فيه، ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم .

الرابعة: مسارقة الطبع من أخلاقهم الرديئة، وهو داء دفين قلما ينتبه له العقلاء فضلًا عن الغافلين، وذلك أنه قل أن يجالس الإنسان فاسقًا مدة، مع كونه منكِرًا عليه في باطنه، إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لوجد فارقًا في النفور عن الفساد، لأن الفساد يصير بكثرة المباشرة هينًا على الطبع، ويسقط وقعه واستعظامه، ومهما طالت مشاهدة الإنسان الكبائر من غيره، احتقر الصغائر من نفسه، كما أن الإنسان إذا لاحظ أحوال السلف في الزهد والتعبد، احتقر نفسه، واستصغر عبادته، فيكون ذلك داعية إلى الاجتهاد، وبهذه الدقيقة يعرف سر قول القائل: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة .

ومما يدل على سقوط وقع الشيء بسبب تكرره ومشاهدته، أن أكثر الناس إذا رأوا مسلمًا قد أفطر في رمضان، استعظموا ذلك، حتى يكاد يفضي إلى اعتقادهم فيه الكفر، وقد يشاهدون من يؤخر الصلاة عن أوقاتها، فلا ينفرون عنه نفورهم عن تأخير الصوم، مع أن ترك صلاة واحدة يخرج إلى الكفر، ولا سبب لذلك إلا أن الصلاة تتكرر، والتساهل فيها يكثر، وكذلك لو لبس الفقيه ثوبًا [من] حرير، أو خاتمًا من ذهب، لاشتد إنكار الناس لذلك، وقد يشاهدونه يغتاب، فلا يستعظمون ذلك، والغيبة أشد من لبس الحرير، ولكن لكثرة سماعها، ومشاهدة المغتابين، سقط عن القلوب وقعها، فافطن لهذه الدقائق واحذر مجالسة الناس، فانك لا تكاد ترى منهم إلا ما يزيد في حرصك على الدنيا، وفي غفلتك عن الآخرة، ويهوّن عليك المعصية، ويضعف رغبتك في الطاعات، فإن وجدت مجلسًا يذكر الله فيه، فلا تفارقه فإنه غنيمة المؤمن ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت