الصفحة 586 من 603

قال المعلى بن زياد القُردوسي: كان عامر بن عبد الله --- وكان إذا صلى العصر جلس وقد انتفخت ساقاه من طول القيام فيقول: يا نفس بهذا أمرت ولهذا خلقت يوشك أن يذهب العناء؛ وكان يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل سوء فوعزة ربك لأزحفن بك زحف البعير ولئن استطعت أن لا يمس الأرض من زهمك لأفعلن؛ ثم يتلوى كما تتلوى الحبة على المقلى ثم يقوم فينادي: اللهم إن النار قد منعتني من النوم فاغفر لي (1)

(1) قال ابن وهب وغيره - يزيد بعضهم على بعض في الحديث: إن عامر بن عبد قيس كان من أفضل العابدين، ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة، يقوم عند طلوع الشمس، فلا يزال قائمًا إلى العصر ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه، فيقول: يا نفس إنما خلقت للعبادة يا أمارة بالسوء والله لأعملن بك عملًا لا يأخذ الفراش منك نصيبًا. (صف3/203)

قلت: هذا العدد المذكور من الركعات عدد مبالغ فيه بلا شك، فيبعد على عابد من أفاضل التابعين وكبارهم أن تكون صلاته نقرًا، أو أن يُعْنَى بتكثير الركعات قبل العناية بالخشوع في الصلاة، وبإقامتها كما ينبغي لها؛ فلو فرضنا جدلًا أنه يخصص من كل يوم ثماني ساعات يوزعها بين أوقات نومه وطعامه وشرابه وأوقات استراحته العامة أو المتخللة لصلاته، وأوقات لما لا بد له منه من شؤون الدين والدنيا، وأوقات لحقوق أهله وأقاربه وجيرانه والمسلمين؛ فمعنى هذا أنه سيكون متفرغًا للصلاة تفرغًا تامًا لمدة سبعة عشر ساعة من كل يوم، أي (1020) دقيقة، فهذه الألف دقيقة كيف يصلي فيها ألف ركعة؟ هذا مما لا يعقل؛ فإنها إذا صلاها ركعتين ركعتين سيكون فيها خمسمئة تشهد، فلو استغرق التشهد الواحد نصف دقيقة، فهذه مئتان وخمسون دقيقة، فكم يبقى لألف قيام وألف ركوع وألف اعتدال وألف هُوِيّ إلى السجود وألفي سجدة وألف اعتدال بين سجدتين؟ يبقى لكل ذلك - ومجموعه سبعة آلاف مرحلة من مراحل الصلاة -: سبعمئة وخمسون دقيقة، أي سيكون لكل واحدة من تلك المراحل نحو ست ثوان؛ هذا ما لا يصدَّق، ولا سيما في حق رجل قليل أمثاله كعامر التميمي.

وأما كونه مجتهدًا في العبادة اجتهادًا عجيبًا وأنه على درجة عظيمة من القوة على الطاعات، وأنه كثير الصلاة جدًا وفي غاية الورع بين أقرانه، فهذا كله مما لا ينبغي أن يتردد في قبوله العارف المطلع على بعض سيرته؛ والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت