الصفحة 21 من 224

وفي الدراسات العربية أخذت الدراسات الوصفية بالانحسار بسبب ظهور النزعة الذهنية في اللغة على يد جومسكي وانتقاله إلى الدراسات العربية، ممّا أعاد المكانة للنحو العربي [1] ، ويبدو أنّ أهمّ سبب في انحسارها قد بدأ مع بدايتها بوصفها طريقة في دراسة اللغة، إذ بدأت متعصبة لطريقتها في التحليل فُعُدّت الطريقة الوحيدة الممكنة في دراسة اللغة، ممّا وُجّه فيما بعد إلى النحو العربي، وعُدّ ضربًا من التعليل العقلي والمنطقي لا يخدم دراسة اللغة، ولكنّهم في الحقيقة لم يكونوا ليضعوا القواعد بل كانوا يقومون بتجزئتها. فقد كان شائعًا بين اللغويين العرب في عقود ماضية (أن يتبنّوا المنهج الوصفي في اللغة، وهو رد فعل للمآخذ الكثيرة على المنهج الفلسفي الذي وُصم به اللغويون العرب القدامى ... وأنّ عددًا من هؤلاء اللغويين المحدثين قد بلغ من التعصب للمنهج الوصفي حدّ التطرف ... ولعلّ هذا التطرف مبنيّ بالدرجة الأولى على سوء فهم للمنهج الوصفي في اللغة، فإذا كانت غاية علم اللغة الوصف فحسب، فلأيّ علم ننسب تفسير الظواهر اللغوية المختلفة؟) [2] .

إذن يجب الاستعانة بكلّ ما يجعل علم اللغة يتقدم إلى الأمام في سبيل فهم أفضل للظاهرة اللغوية، ولا يتم ذلك إلاّ بترسيخ اعتقاد أنّ كلّ الدراسات اللغوية السابقة يمكن أن تكون مصدر فهم أعمق للغة مهما كانت تقليدية فإنّها قد تمتلك حيوية وأهميّة، وعند إهمالها قد تتولد فجوة معرفية يصعب ملؤها، هذا فضلًا عن الاستعانة بالعلوم المجاورة لعلم اللغة كالمنطق والرياضيات وعلم النفس. وقد جاء في كتاب الحيوان للجاحظ (لمّا قال الخليلُ بن أحمد: لا يصل أحدٌ في علم النحو إلى ما يحتاج إليه حتى يتعلم ما لا يحتاج إليه، قال أبو شمر: إذا كان لا يتوصل إلى ما يحتاج إليه إلاّ بما لا يحتاج إليه فقد صار ما لا يُحتاج إليه يُحتاج إليه) [3] ، إذن فليس من الحكمة التخلّي عن الأدوات المفيدة التي يمكن أن تمدّها أيّة دراسة مهما كانت بعيدة [4] ، فاللغة معقدة بما فيه الكفاية وهي منظمة من جهة أُخرى [5] ، بمعنى أنّها

(1) الدراسات التي ظهرت في دراسة أوجه التشابه والتطابق بين النحو العربي والنحو التحويلي عديدة، ينظر مثلا ً: النحو العربي والدرس الحديث، عبدة الراجحي 1979، نظرية النحو العربي في ضوء مناهج النظر اللغوي الحديث، نهاد الموسى، 1980 0 منهج البحث بين التراث وعلم اللغة، علي زوين،1986 0 ملامح النظر النحو الكوفي في ضوء القواعد التوليدية والتحويلية، فارس محمد فارس عيسى، أطروحة دكتوراه، كلية الأداب، جامعة عين شمس، 1989. قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني، محمد عبد المطلب:1995. أصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية، محمد الشاوش، 2001 0 أصول تراثية في علم اللسانيات الحديث، محمد زكي حسام الدين، 2001 0 التفكير اللغوي بين القديم والحديث، كمال بشر. د. ت.

(2) أبحاث في اللغة العربية، داود عبدة: 9، وينظر: في بناء الجملة، محمد حماسة عبد اللطيف: 17.

(3) الحيوان: 1/ 3.

(4) ينظر: اللغة والعقل: 33، النحو العربي والدرس الحديث: 126.

(5) اللغات الأجنبية تعليمها وتعلمها: 39 - 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت