الصفحة 24 من 224

)في تحول منطقيّ لا سابق له في القرن الخامس عشر الميلادي عند نحاة بورت رويال، فقد كان من مبادئهم المقولة الآتية: (من باب الايجاز أن يقال: أنّ كل ما يخدم غرض فنّ من الفنون هو منه سواءً كان ذلك من خصائصه أو اشترك فيه مع فنون أُخرى أو علوم أُخرى) [1] ، وفي القرن العشرين ومع مطلعه رأى المنطقيّ الوضعيّ لدفيج فتجنشتاين في دراسته للغة العلم أنّ اللغة هي مجموعة قضايا [2] ، والجملة هي الفكرة وهي التعبير عن قضية منطقية بواسطة اللغة كما رأى سابير [3] ، وهنا يتلاقى كلٌّ من النحو والمنطق، النحو الذي يدرس الجملة، والمنطق الذي يدرس القضية، والجملة و القضية كلاهما يعرف الآخر كما في قولي فتجنشتاين وسابير، ممّا يعني أنّ فرصة التلاقي بينهما ممكنة إن لم تكن واجبة، وهذا ما ظهر عند هلمسيلف الذي بذل جهدًا مضنيا ً (في سبيل إيجاد نحو منطقي، أي معالجة علمية للغة ... يمكن أن تكون في أعلى درجات الدقة والوضوح والعلمية وشبه الجبريّة) [4] . وهذا ما ظهر واضحًا في أول ظهور لكتب النحو التحويلي، إذ ركزت على فكرة المنطقية واتباع المنهج العقلاني القائم (على دعوى وجود أُصول ومبادئ منطقية كليّة لبناء الجمل في اللغات الطبيعية) [5] . ومع استعانة اللغة بالمنطق في التحليل اللغوي كان المنطق قد اتّجه نحو الترميز وظهر ما يسمّى بالمنطق الرياضي أو المنطق الرمزي، ممّا أدّى إلى دخول الرموز الرياضية إلى حقل علم اللغة.

5 -الترميز الرياضي:

لم يكن للرياضيات ورموزها أن تدخلا إلى علم اللغة لولا استعانة هذا الأخير بالمنطق، إذ كان المنطق هو المدخل الذي استقبل منه علماء اللغة للرياضيات، فمع بداية القرن العشرين بدأ المنطق يتخذ طابعًا رمزيًا، ومعها بدأ الجدل عن علاقة المنطق والرياضيات وهي أشبه بتلك العلاقة التي كانت بين النحو والمنطق التي أُثيرت قبل قرون طوال [6] . وسرعان ما أخذت الرياضيات تتبوّأ المكانة الأولى بين العلوم، حتى غدت لغة العلوم وأصبح من المستحيل أن يستغني عنها في علم من العلوم [7] ، فقد

(1) مدخل في اللسانيات: 44.

(2) رسالة منطقية فلسفية: 82

(3) ينظر: الهامش:1، الصفحة السابقة.

(4) اتجاهات البحث اللساني: 235.

(5) نظرية تشومسكي اللغوية: 262، وينظر: النص والخطاب والإجراء: 76، اللغة ليست عقلًا، علي حرب، مجلة الباحث، السنة ‍‍الأولى، العدد 35، 1992: 149.

(6) هناك عدّة نظريات حول العلاقة بين المنطق والرياضيات ينظر: اصول المنطق الرياضي، محمد ثابت الفندي: 89 - 111، المنطق ومناهج البحث العلمي في العلوم الرياضية والطبيعية، علي عبد المعطي محمد: 167 - 185.

(7) منطق المعرفة العلمية، ياسين خليل: 1/ 150.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت