(ظلّت على الدوام النموذج الأعلى للمعقولية) [1] . فإن لم يكن هناك مانع من تصور اللغة موضوعًا رياضيًا [2] ، فإنّ اللغة تمتلك كلّ المقومات التي تخوّلها احتذاءها [3] ، لكن علينا أنّ نفهم من مصطلح الرياضيات أنّها رياضيات لا إقليديّة (نسبة إلى العالم اليوناني إقليدس) ، أي رياضيات علمية تتعامل مع (المفاهيم الصرفية والمجردات والعلاقات التي تربط بين عناصرها، وبذلك ندرك مدى ما تزخر به منظومة اللغة من مفاهيم ومجردات وعلاقات) [4] .
ومع نشوء المدارس اللسانية الحديثة في أوروبا وأمريكا لم تتردّد هذه المدارس على حد سواء في تناول اللغة تجريبيًا وعقلانيًا عن طريق المعادلات الرياضية، فهاريس يصف تحليله التركيبي بالرياضيات، ويصرح هلمسيلف بأنّه يريد خلق (جبر اللغة) [5] . فإذا كان هاريس ومعه الوصفيون
يدافع بشدّة لفكرة جعل الوصف اللغوي ذا طابع رياضي فإنّ مجيء جومسكي المتتلمذ أصلًا على يد هاريس وانتشار المنهج التحويلي خلفًا للمنهج الوصفي، قد دفع الدرس اللغوي باتجاه الرياضيات بشدة، لأنّ النظرية التوليدية التحويلية هي أصلًا ذات طابع رياضي، فكما أنّ القواعد الرياضية تستطيع أن تولّد مجموعات غير محددة من الأعداد، كذلك القواعد اللغوية عند التحويليين يمكنها توليد أعداد لا حصر لها من الجمل [6] ، ويختصر الخولي التشابه بين الرياضيات والقواعد التحويلية، في أنّ كليهما يرتكز على نظرية، وأنّ كليهما يتّبع طريقة منطقية تتابعية، وأنّ كليهما يستخدم الرموز للدلالة على مسميات معينة [7] .
وبسبب استعانة علم اللغة بالمنطق والرياضيات برزت سمة التجريد في دراسة اللغة، إذ أنّ المنطق لا يتعامل مع الأشياء مباشرة بل يستعين برموز مجردة، كذلك الرياضيات، مما أكسب علم اللغة والنحو خاصّة طابعًا مجردًا، فالبنية اللغوية (إنّما هي بنية معقدة، تتضمّن أشكالًا مختلفة من العلاقات المترابطة المتداخلة التي هي في غاية التجريد) [8] ، وهذا ما يؤكده روبرت شولز فيقول:
(1) مدخل إلى فلسفة العلوم، العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، محمد عابد الجابري: 53.
(2) اللسانيات واللغة العربية، الكتاب الأول: 41.
(3) مدخل في اللسانيات: 35.
(4) الثقافة العربية وعصر المعلومات، نبيل علي: 250.
(5) البنيوية في اللسانيات:126، فهم اللغة: 40.
(6) جدلية علم الاجتماع بين الرمز والاشارة، اينو دوزي: 40.
(7) قواعد تحويلية للغة العربية:27.
(8) دراسات لسانية تطبيقية: 293، والقول لجومسكي في مقابلة مع المؤلف.