(لا بُدّ من التأكّيد أنّ النظام اللغوي ليس له وجود ملموس، فاللغة ... ليست في العالم أكثر مما هي قوانين الحركة في العالم) [1] .
إذن فأيّ بحث عندما يحاول الكشف عن نظام اللغة بانتقاله من الكلام إلى اللغة بمصطلحات سوسير ومن الأداء إلى الكفاءة بمصطلحات جومسكي فإنّه (يسعى إلى التبويب والتجريد، ليلمّ شعث الظواهر التي لا تقع تحت الحصر، ليقدمها مبوّبة تحت عدد قليل من المصطلحات، فيصل بذلك إلى إبراز العلاقات بين المفردات من جهة وإلى تيسير القواعد من جهة أُخرى) [2] . فالتجريد في النحو يكون باختزال عدد غير محدود من الكلمات في عدد محدود من الوظائف، فمئات الكلمات يمكن أن تقع فاعلًا، ومآت الكلمات يمكن أن تقع مبتدأً، فالكلمات التي تحتلّ موقع الفاعل أو المبتدأ نطلق عليها مصطلح الفاعلية أو الابتداء، وفي الصرف جرّد الصرفيون صيغة (فَعَلَ) بوصفها اختزالًا لعدد غير محدود من الكلمات لمعرفة اشتقاقات الكلمة وما تتعرض لها من تغيرات.
6 -البنية العمقية والبنية السطحية:
لفكرة تعدد البنى للشيء الواحد ـ خاصة في دراسة اللغة ـ تاريخ طويل، كما لها حديث طويل أيضًا في كتب اللسانيات وفي غيرها من الكتب، وكلّما كان لفكرة مجردة مثل البنية العمقية والبنية السطحية هاتان السمتان، تعرضتا لسوء فهم أو سوء تفاهم. ولما كان لكلّ سوء فهم أو سوء تفاهم جذور يبدأ منها، فإنّ جذور هذين المصطلحين لا تبدأ من (العمقية والسطحية) بل من مصطلح (البنية) نفسها. فهل البنية ملموسة أم لا؟ هنا مكْمن المشكلة، يجيب ليونارد جاكسون في دراسته عن البنيوية في حديث طويل نذكره لفائدته ولتمثيله الواقعي، يقول: (أول أمر أودّ الاشارة إليه هو أمر واضح وضوح الشمس: إذ أنّ كلّ بنية ... هي بنية شيء ما، وحين نستخدم كلمة بنية بمعنى ملموس ـ كقولنا: إنّ السيارة التي نركّبها بقطع الميكانو هي بنية ـ فإنّنا نعني أنّها بنية من أجزاء الميكانو، أي أنّها مؤلفة منها، أمّا حين نستخدم الكلمة بالمعنى المجرّد فإنّنا نعني أنّ بنية السيارة التي نركّبها من قطع الميكانو هي نسق الترابط بين الأجزاء، ويمكن أن نحدّد هذه البنية بالمعنى المجرّد دون أن نشكّلها فعليًا، الأمر الذي يمكن القيام به بواسطة مخطط في الدليل المرفق بمجموعة الميكانو، أمّا إذا أردنا أن نشكّل النموذج الفعلي فنحتاج إلى أكثر من مخطط بنيوي، نحتاج إلى أجزاء ميكانو فعلية) [3] . إذن لكلّ شيء ومنه اللغة بنية مجردة غائبة ذهنية، وبنية ملموسة حاضرة، واقعية. فالبنية المجردة الغائبة الذهنية هي البنية العمقية، والبنية
(1) البنيوية في الادب: 26، وينظر النص في: المرايا المقعرة: 226.
(2) مقالات في اللغة والادب: 26، وينظر اللغة العربية واللسانيات المعاصرة، مجيد الماشطة، مجلة الاقلام، العدد 5، السنة 22، آيار، 1987: 42 - 43.
(3) بؤس البنيوية: 52.