العلاقات والوظائف النحوية التي تحدّد معنى الجملة والالتباس الذي يحصل في المعنى هو الثمن [1] . وهنا لابدّ من الالتفات إلى مبدأٍ مهمّ يفرّق بين التغييرات الذهنية التي تصيب الجملة وهي في ذهن المتكلم في فترة لا تستغرق عدة ثوانٍ في إنتاجها وكذا في استقبالها، وبين التطورات التاريخية التي تلحق بالجملة عبر عشرات السنوات وربّما مئات السنين، هذا المبدأ يشكّل وجه شبه بين المنهجين بالقدر نفسه الذي يشكل فيه وجه الاختلاف بينهما، فوجه الشبه قائم في التغييرات ووجه الاختلاف يكمن في الزمن الذي تحتاجه التغيرات كي تحدث، فهو محدود مقيّد ذهنيًا، وغير محدود مطلق - نسبيًا- تاريخيًا، هذا مع أنّ لأسبقية المنهج التاريخي على المنهج التحويلي أهميّة تكمن في أنّه يلقي الضوء على طريقة الدراسة في المنهج الأخير، يقول جومسكي في هذا الصدد وهو ما ينقله مؤلفا كتاب فهم اللغة: (يمكن للقياس التاريخي أن يقوم بتوضيح الموضوع الذي نحن بصدد البحث فيه، إنّ مفهومنا العام للنحو من الناحية الشكلية مشابه إلى حدّ ما لوصف التغيير التاريخي، كذلك فإنّ مفهومنا العام للنحو في أقصى درجات عمومياته يشتمل على قدرة كاملة على التعبير الوصفي للتغير التاريخي) [2] .
وممّا يختلف فيه المنهجان التاريخي والتحويلي نقطة هامة جدًا هي أنّ التغييرات في المنهج التاريخي تغييرات سياقية، بمعنى أنّها خارج لغوية، تسببها حاجات غير لغوية، كالحاجة إلى اختزال نظام اللغة واندماج الأنظمة اللغوية بفعل الاستيطان والغزوات والتقاء الحضارات، بينما التغييرات في المنهج التحويلي هي تغييرات بنيوية بمعنى أنّها داخل لغوية سببها الرئيس هو المعنى، فالمتكلمون يشتقون جملًا جديدة لتلائم حاجاتهم الاتصالية، بمعنى أنّ غرض التحويلات هو إبراز المعاني المتعددة المتباينة بتراكيبها المختلفة [3] .
وتطرح مشكلة التحويلات وأدائها للمعنى، علاقة التحويلات نفسها بالبنيتين العمقية والسطحية، وجملة الأمر يختصر في احتمالين: الأوّل: أن لا يكون للتحويلات أيّ دور في المعنى، ممّا يعني أنّه إمّا أن يكون المعنى مقصورًا على البنية العمقية فقط ولا دور للبنية السطحية في إبرازها [4] . وإمّا أن يكون
(1) اللغة والعقل: 41، وينظر نظرية تشومسكي اللغوية، جي ألن، ترجمة: مجيد الماشطة، مجلة آفاق عربية، العدد6، شباط، 1982: 75.
(2) فهم اللغة: 56، هذا مع أنّ هناك صعوبات تعترض التمييز أو أنّ هناك جدلًا بين النظام السنكروني والديكاروني كما يرى سوسير، ينظر: علم اللغة العام: 163 وما بعدها، مباحث في علم اللغة واللسانيات، رشيد عبد الرحمن العبيدي: 28 وما بعدها، التطور اللغوي، مظاهره وعلله وقوانينه، رمضان عبد التواب: 17 وما بعدها.
(3) البنيوية في الأدب: 14، في التحليل اللغوي، خليل عمايرة:34، 37،71، اللغات الأجنبية تعليمها و تعلمها:31.
(4) ينظر جوانب من نظرية النحو: 177، اللغة والمعنى والسياق، جون لاينز: 169، علم الدلالة، بالمر: 141