الصفحة 38 من 224

وهو التحويل غير الوظيفى، وتقديم لا على نية التأخير: ويكون بنقل اللفظ من بابه النحوى إلى باب نحوي آخر، وهو التحويل الوظيفي.

ومما يفيد في توضيح هذا النوع من التحويلات نصّ للجرجاني يقول فيه: (واعلم أنّك إذا رجعت إلى نفسك علمت علمًا لا يعترضه الشكّ أن لا نظم ولا ترتيب حتى يعلق بعضها بسبب بعض وتجعل هذي بسبب من تلك، هذا ما لا يجهله عاقل ولا يخفى على أحد من الناس وإذا كان كذلك فبنا أن ننظر إلى التعليق فيها والبناء، وجعل الواحدة منها بسبب من صاحبتها ما معناه وما محصوله، وإذا نظرنا في ذلك علمنا أنّه لا محصول لها غير أن تعمد إلى اسم فتجعله فاعلًا أو مفعولًا، أو تعمد إلى اسمين فتجعل أحدهما خبرًا عن الآخر أو تتبع الاسم اسمًا على أن يكون الثاني صفةً للأوّل أو تأكيدًا له أو بدلًا منه، أو يجيء الاسم بعد تمام كلامك على أن يكون صفةً أو حالًا أو تمييزًا، أو تتوخى في كلام هو الاثبات معنى أن يصير نفيًا أو استفهامًا أو تمنيًا، فتدخل عليه الحروف الموضوعة لذلك، أو ... .. ) [1] .

ومن أمثلة هذا التحويل البناء للمفعول، إذ يُحذف الفاعل، ويتحول المفعول من وظيفة المفعولية إلى وظيفة الفاعلية ليقوم مقام الفاعل في عملية إكمال الجملة، أي من الفضلة إلى الإسناد. وكلا التحويلين الوظيفي وغير الوظيفي يتراوحان بين التحويلات الاختيارية والتحويلات الإجبارية، وعلى صعيد ذي صلة بهذين النوعين من التحويلات، تطرح مسألة العلامات الاعرابية فالنحاة يقرّون أنّ الإعراب إنّما وُضع في الأصل لإفادة معنىً، يقول ابن السراج: (إنّما يدخل الإعراب لمعانٍ وتعتور هذه الأشياء) [2] ، ويقصد بالأشياء الكلمات، ويقرر ابن الانباري أنّ (الإعراب إنّما دخل في الأصل لمعنىً) [3] ، لكن ما هذا المعنى؟ لاشكّ أنّه المعنى الوظيفي للكلمة، أي أنّ العلامات الإعرابية تدلّ على وظائف نحوية، فلكل باب نحوي أو أبواب نحوية علاماته الخاصة بها يجب الالتزام بها.

ومن هنا نفهم أنّ العلامات الإعرابية اختيارية من قبل المتكلم وحده، حسب ما يختار من وظائف نحوية لنقل صورته الذهنية، لكن المطابقة بين العلامات الإعرابية والباب النحوي هي تحويلات إجبارية تفرضها المؤسسة الاجتماعية على أفرادها وهم بدورهم يلتزمون بها، وهو ما يسميه النحاة بالعامل. وعلى هذا الأساس نفهم قول ابن جني في اعطائه المتكلم دور التصرف في الحركات الإعرابية

(1) دلائل الاعجاز: 98، وينظر:117. كذلك يلاحظ في هذا النص التفات الجرجاني إلى العلاقة الوثيقة بين الخبر والصفة والتأكيد والبدل والحال والتمييز، كما سيأتي في الفصل الثاني.

(2) الايضاح في علل النحو: 67 كذلك 69، 70.

(3) الانصاف في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: 20، وينظر النص في: الاصول: 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت